الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

فضاء الرواية و«طلاسم» الناقد

24 يوليو 2026 00:33 صباحًا | آخر تحديث: 24 يوليو 00:34 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
أحياناً، حين أفرغ من قراءة رواية ما، وأحياناً أخرى حتى قبل البدء في قراءتها، ينِشأ لديّ فضول في مطالعة ما كتب حولها، في الحال الأولى لمعرفة ما رآه سواي في عوالم هذه الرواية، سواء اتفق مع ما رأيته أو اختلف، فلعلّ سواي وجد فيها ما لم أجده، وفي الحال الثانية قد يكون ما سأطالعه عن الرواية محفزاً للشروع في قراءتها، أو العكس.
يصدمني كثيراً أن بعض ما بات يكتب عن الروايات من قبل بعض قارئيها من «النقاد» أقرب إلى الطلاسم التي لا تقودك إلى شيء يمت بصلة مباشرة إلى الرواية المعنيّة وعوالمها، ويشغلك عنها بمحاولة فك هذه الطلاسم، دون أن تفلح في الكثير من الحالات، كأن كاتبها أراد أن يستعرض ما يحسبه عدة نقدية وفكرية له، أكثر من تسليط الضوء على عوالم الرواية التي تناولها، وهكذا تتوالى أمامك في تلك المراجعة «النقدية» الأسماء: غودلييه، ريكور، باختين ونظراؤهم، ولا نذكر هذا من باب التقليل من أهمية هذه الأسماء، وإنما للقول إن النص الروائي الذي نحن بصدده لا يستدعي هؤلاء، وفي استحضارهم عنوة تحميل لهذا النص ما لا طاقة له به.
حين نذهب نحن، معشر القراء، إلى مطالعة ما كتب عن رواية شدّتنا أو شدّنا موضوعها أو عنوانها أو حتى اسم كاتبها، فإن دافعنا إلى ذلك التعرف إلى ما يعيننا في تشريح بنيتها السردية: الشخصيات، الزمن، المكان، الراوي، اللغة، من قبل من نعتقد أنهم أقدر منا على فعل ذلك مما يساعدنا على التعرف أكثر إلى ما قرأناه أو ما ننوي قراءته، فنصدم حين يتحوّل «الناقد» من قارئ يكشف العمل إلى كاتب يستخدم العمل ذريعة لعرض معرفته، فنخرج من المقال وقد طالعنا أسماء فوكو أو دريدا وغيرهما، دون أن نعرف شيئاً جديداً عن الرواية التي جئنا لنقرأ عنها، حيث تختفي شخصياتها وأمكنتها وزمنها وصراعاتها، ولا يبقى إلا قاموس الناقد.
مهمة الناقد ليست أن يستعرض أدواته، بل أن يجعل العمل الأدبي أكثر حضوراً، وأن يفتح مساحات جديدة لرؤيته. الناقد الجيد لا يقف أمام اللوحة ليحجبها، بل يضيء زاوية تجعلنا نراها بصورة أعمق، وفي هذا يكمن الفرق بين النقد الذي يضيف إلى العمل والنقد الذي يستولي على العمل.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة