لا يحدد التاريخ من قائل «إن الأرقام لا تكذب»، ويبدو أنه قالها خفية وفرّ سريعاً، حتى لا تلاحقه اللعنات إلى نهاية الزمان، فالعبارة اكتسبت زخماً انشطارياً، رفعها إلى مرتبة حقائق الكتب المقدسة، ومنحها سكان الأرض نفوذاً أكثر مما منحوه للشعراء والفلاسفة والحكماء، الذين كان عليهم أن يبرهنوا على صحة أقوالهم، باستثناء الشعراء، الذين هم من «أهل هوى»، والهوى كائن شفاف يستحيل الإمساك به.
لكن لو فكرنا قليلاً وصهرنا الأرقام على جمر النار، لنفرق ذهبها عن نحاسها، لهالنا صعوبة هذه العملية، فلو سألنا: هل العشرة أكبر أم السبعة؟ لن نتردد لحظة، وقد يهتف أحدنا ساخراً: طبعاً العشرة.
إجابة متسرعة، ماذا عن عشرة أفدنة من الرمال الجرداء، مقابل سبعة أمتار من الأرض الطيبة الخضراء، أو مثلها في منتجع على البحر الكاريبي، أو سبع قطع ذهبية، مؤكد أن العشرة في هذه الحالات تكذب، فهي ليست أكبر من السبعة في القيمة.
وقد أدرك العرب قديماً هذا «السر»، فأسسوا في علم النحو باب «التمييز العددي»، فالعدد بلا تمييز مثل وجه بلا بصمات، وجود بلا معنى، مجرد فراغ.
ولأن الحكومات والشركات ووسائل الإعلام والمؤسسات المالية فهمت الحيلة، لجأت إليها في خطاب الناس، خاصة في لعبة المتوسطات: متوسط الدخل، متوسط الإنفاق، متوسط نصيب الفرد، فالمتوسط في ظاهره عادل، تجميع ثم تقسيم بالتساوي، لكنه في الواقع، من أكثر وسائل الإخفاء أناقة.
تخيلوا لو قلنا إن متوسط دخل الفرد في ولاية تكساس 72 ألف دولار سنويّاً، وكان من بين سكانها إيلون ماسك، الذي بلغت قيمة الأسهم والمكافآت التي منحتها له شركة «تسلا» في عام واحد نحو 158 مليار دولار؟ هذا الرقم يعادل الدخل السنوي لأكثر من مليونين ومئتي ألف شخص في الولاية، فهل يستطيع هذا المتوسط أن يصف حياة سكانها بدقة؟
الحساب صحيح، لكنه يكذب في تصوير الواقع، لأن ثروة شخص استثنائي تستطيع أن تضاعف الرقم مئة مرة، دون أن تضع دولاراً واحداً إضافيّاً في جيوب ملايين من أهل تكساس!
وعبارة «الأرقام لا تكذب» ظهرت لأول مرة بعد منتصف القرن الثامن عشر، مع زيادة النشاط التجاري وإمساك الدفاتر المحاسبية، وقال الأديب الأمريكي مارك توين في سيرته الذاتية: هناك ثلاثة أنواع من الأكاذيب: الأكاذيب، والأكاذيب اللعينة، الإحصائيات.
أرجوكم لا تنخدعوا بالأرقام المجردة.
