تضيف شخصية المجنون في بناء الأعمال الأدبية، من شعر وسرد ومسرح، أبعاداً جمالية وفكرية، فمثل هذه الشخصية تسرِّب إلى المتلقي مشاعر المتعة والفكاهة والراحة، وفي الوقت ذاته، يمرر الكاتب عبرها الكثير من الرؤى والأفكار التي ليس في مقدور الشخص العادي التصريح بها. ولطالما استُخدم المجانين من أجل إلقاء كلمة الحكمة، عملاً بالمثل القائل: «خذوا الحكمة من أفواه المجانين»، حتى إن العديد من تلك الشخصيات صارت رموزاً في الإبداع الأدبي القديم والحديث.
والواقع أن الكثير من هذه الشخصيات المتخيلة لم تكن تعاني الجنون بشكل قاطع، بقدر ما كانت ضحية لأزمات نفسية ناتجة عن الصراع مع الحياة والواقع اليومي. ولأنها تحمل قيم الرفض والاختلاف، فإن العامة يرون أصحابها فاقدين للعقل، وتروى حولهم الحكايات التي يضاف إليها الكثير، إذ إن البشر يحبون هذه الشخصيات، ويوثقون لها في كتب التاريخ. وعلى سبيل المثال، نجد أن الكثير من المراجع الأدبية والتراثية العربية تضم أبواباً لقصص المجانين، مثل قيس بن الملوح «مجنون ليلى»، وغيره في كتب مثل «البيان والتبيين» للجاحظ، الذي يضم فصلاً بعنوان «المجانين».
إن شخصية المجنون الخصبة والثرية والمتعددة الأوجه جعلت منها خياراً مميزاً في البناء السردي والشعري، فالمؤلف يطلق مواقفه الفكرية والسياسية وحتى الإبداعية بلسان شخص مصاب بفقدان العقل، سواء أكان كاملاً أم جزئياً، إذ إن المجنون لا يخضع لمعايير الرقابة الاجتماعية أو السياسية. لذا، يستخدمه الكاتب كقناع أدبي لتمرير الحقائق الجريئة، وانتقاد المجتمع، والتعبير عن آراء صادمة يصعب على الشخصيات «العاقلة» البوح بها.
ولعل من أشهر تلك الشخصيات المعتلة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، شخصية «دون كيشوت» في الرواية التي تحمل الاسم نفسه للكاتب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس، والتي عالج فيها الكاتب قضية الإنسان العالق بالماضي، ساخراً من قصص الفروسية الرومانسية المبالغ فيها، والتي كانت منتشرة في عصره. كما أراد خلق شخصية ترمز إلى الصراع الأزلي بين المثالية المطلقة المتمسكة بالقيم والأخلاق، والواقعية القاسية، ليسلّط الضوء على مفارقات الوجود الإنساني.
وهناك شخصيات أخرى كثيرة صارت رموزاً للجنون في الأدب، مثل الأمير ميشكين في رواية «الأبله»، لدوستويفسكي الذي مثل مفارقة غريبة، فهو شخص يرمز إلى النقاء والصدق، لكن المجتمع المادي كان يرى فيه ضرباً من العته، وهناك شخصية الملك لير في رائعة شكسبير، والذي جسد الجنون الناتج عن الصدمة وفقدان السلطة، إذ ينهار عقله بعد خيانة بناته له، لكن جنونه يمنحه بصيرة روحية لم يمتلكها وهو بكامل قواه العقلية.
