تسعى موسكو لاستعادة المنهجية التي كان يعتمدها الاتحاد السوفييتي السابق لتعزيز حضورها الدولي، لكن بقالبٍ ليبرالي يرفع شعار الحرية وتأمين سلامة الكوكب. وهي تنظّم «القمة العالمية الشعبية» بين 17 و19 أيلول/سبتمبر، ومن المتوقع أن تكون أكثر شمولية من القمة الأولى التي انعقدت في ذات المكان العالم الماضي، وكان قد حضرها ما يقارب 5000 شخصية، من مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية والفنية والعلمية، ينتمون إلى 153 دولة.
عند الاطلاع على برنامج المنتدى وعناوين فعالياته الرئيسية، يتبين أن روسيا تدفع من خلاله لتعزيز حضورها السياسي والثقافي والإنساني على المستوى الدولي، وتؤكد أن التواصل الإنساني ضرورة لا يمكن القفز فوقها في سياق تطور مسيرة البشرية، كما تُشير إلى أن روسيا بشعوبها المتنوعة كانت على الدوام تواقة لتحقيق الترابط بين المكونات الرسمية والشعبية في العالم، من دون أن يكون ذلك بهدف الهيمنة أو السيطرة على إرادة الشعوب الأخرى، بل من أجل فتح قنوات تواصل وتعاون بنوايا طيبة.
تفعيل روسيا أنشطة التعاون الأفقي مع الحكومات المختلفة في العالم، ومع شخصيات ومنظمات من الشعوب الأخرى، يُعيد إحياء تقليد قديم درجت عليه موسكو من خلال هذا التواصل، حيث كانت ترفع شعار تحقيق السلام وتوفير الاستقرار. وهي تنظم سنوياً منتدى بطرسبرغ الاقتصادي الدولي، رغم ظروف الحرب التي تعيشها منذ ما يزيد على الأربع سنوات مع أوكرانيا، كما أنها استضافت مؤتمرات تعاون مع دول ومع منظمات جهوية ومع مجالس إقليمية، من بينها المنتدى الروسي – العربي الذي عقد في موسكو في 23 تموز/يوليو الماضي.
في برنامج القمة العالمية الشعبية الثانية هذا العام مجموعة من العناوين التي تتطلَّع إلى تحقيق أهداف مهمة، منها تحديد رؤية لمستقبل البشرية المشترك، من خلال تقديم التجارب التاريخية، وعرض الواقع الراهن، ومدى تأثير تطور الفضاء الرقمي في نمطية حياة الناس، وكيف يمكن تحديد المشتركات التي تُساعد على توفير الاستدامة والاستقرار، بما لا يتعارض مع التنوع الثقافي والإثني واللغوي والتعلمي، مع الإصرار على الحفاظ على التراث الإنساني والحضاري للشعوب على اختلافها.
ولعلَّ الأبرز في الطموحات المُشار إليها، هو اعتماد «ميثاق قيم» للعالم الجديد، يتناول موضوع الحفاظ على الأسرة، بعيداً عن المفاهيم الدخيلة، تحديداً موضوع رفض «المثلية» أو ما يطلق عليه حرية تحديد الجنس، حيث إنها مهمة حصرية للخالق (وهو ما أوحت به مقدمة الدعوة). وتُشير المقترحات المطروحة للمناقشة في أروقة القمة إلى أهمية الحفاظ على كرامة الإنسان وجودة حياته، وتوفير بيئة مناسبة تحترم القيم الروحية والأخلاقية، ضمن فضاء تحكمه المسؤولية والعدالة والثقة. وتأخذ الشعارات التي تتعلَّق بأهمية الحفاظ على السلام والاستقرار والأمن حيِّزاً هاماً من المناقشات.
روسيا تحاول ترسيخ نمطية جديدة (أو متجدِّدة) في سياق العمل الدولي، يدفع باتجاه تكريس نظام تعددية قطبية، يرفض هيمنة الثنائية أو الأُحادية، وتحاول إعلاء شأن تأثير القوة الناعمة في سياق العلاقات الدولية.
الحرب في أوكرانيا تعتبر نقطة ضعف قاسية تواجه الاندفاعة الروسية، لكن مقومات تأكيد الحضور الدولي لروسيا متوافرة، وهي تملك شبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية، ولديها قوة اقتصادية وازنة، لا سيما في أسواق النفط والغاز، وقدرتها العسكرية والنووية لم تتراجع، برغم بعض التشوهات التي أصابتها من جراء الحرب الدائرة، وهي حافظت على نفوذها الإقليمي في المحيط الحيوي، ولم تُفرِّط بمسارات التعاون القائمة مع دول متعددة، وطوَّرت منسوب التعاون السياسي والاقتصادي مع الصين والهند والجامعة العربية، ودفعت بعلاقاتها مع دول إفريقية خطوات إلى الأمام في السنوات الأخيرة.
الاختلال الكبير في التوازنات الدولية، كما «الجنوح الأخلاقي» الذي يصيب بعض الجماعات، يعطي فرصة لروسيا كي تستعيد حضورها على الساحة الدولية، والرئيس فلاديمير بوتين أطلق حملة واسعة ضد المثلية الجنسية.
دعوة عدد كبير من قادة الرأي والمختصين إلى منتدى موسكو، فرصة لإحداث عصف أفكار حول مستقبل الحياة البشرية، كما أنه فرصة لروسيا لإثبات حضورها المعنوي على الساحة العالمية.
