الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
آخر الكلام

الوقت الذي لم ننتبه له

27 يوليو 2026 00:46 صباحًا | آخر تحديث: 27 يوليو 00:47 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
عندما سألني ابني عن رغبته في الدراسة خارج البلاد، وبينما يتحدث بحماس عن مستقبله، كنت أنظر إليه وأرى انعكاس صورتي. أرى نفسي وتجربة تشبه تجربته، أقف في المكان نفسه، أحمل الأحلام نفسها.
الوقت معه مرّ بسرعة، ولم أنتبه له. لم يمر فجأة، بل كنت أنا الغائب عنه.
هذا التناقض نعيشه جميعاً. ننجز اليوم في أسبوع ما كان يحتاج من آبائنا شهوراً. توفّر لنا التكنولوجيا والتطبيقات ساعات من الانتظار. ومع ذلك، لو سألت أي أحد عن حاله، لجاءك الجواب نفسه: لا أجد وقتاً.
أين ذهب الوقت الذي كسبناه؟ كلما ربحنا وقتاً، خسرناه.
المشكلة أعمق من فكرة السرعة. لم نعد نعيش الوقت ولحظاته، صرنا نسابقه. ومن يسابق الوقت، لا يعيشه.
نحن مهووسون بالوقت ولسنا غافلين عنه، لكننا ننتبه لوقتنا، لعملنا وبناء أنفسنا، مشغولون بإنجازاتنا الفردية وننسى أوقات الآخرين المهمين لنا. يكبر الأبناء ونحن لا نرى، ويشيخ الوالدان ونحن غائبون رغم أننا موجودون. حاضرون في جداولنا، غائبون عن حياة من نحب.
والغريب أن أحداً لا ينبهنا لهذا الغياب. العالم يكافئنا، يمنحنا التقدير كلما ازددنا انشغالاً، ويبرر غيابنا بالطموحات والالتزامات وننسى أن جوهر الحياة في الحضور.
كل شيء يُعوّض إلا الوقت. ولا ننتبه لغيابنا إلا حين يفوت الأوان. نراهم على المنصات ينشرون صور من رحلوا، يكتبون: ليتني قضيت معه وقتاً أكثر. صار الحنين منشوراً، وأحياناً يصبح العزاء نفسه محتوى. نعوّض بالحضور الرقمي غياباً حقيقياً لا يعود. الطفل الذي كبر لن يصغر حين ننهي مشاريعنا، والوالد الذي رحل لن نزوره غداً.
لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف: لا طريق بلا ثمن.
لو بقينا نراوح في مكاننا ولم نتحرك وننجز، لدفعنا ضريبة أخرى مستحقة: أحلامنا التي لن نعيشها، وأمنياتنا التي لن تتحقق. من يسافر ويتحرك يخسر القرب، ومن يبقى ربما يخسر ذاته. الضريبة مدفوعة في الحالتين، والحياة أخذ وعطاء، لا خيارات فيها بلا خسارات.
اللوم ليس مكانه الآن، لكننا نملك أن نسأل أنفسنا: لأي وقت ننتبه؟ وعن أي وقت نتغاضى؟
نرغب أن نكون على الطريق الصحيح، لكننا في زحمة السرعة قد نكتشف أننا كنا في الاتجاه الخاطئ.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة