الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

هل يحتاج النجاح إلى شهود؟

7 سبتمبر 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 7 سبتمبر 00:05 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لديّ صديق مبدع، له حضور لافت في المشهد المعرفي، وتحظى أعماله بتقدير واضح من الناس. ومع ذلك، كلما تحدثنا عن مسيرته، تسللت إلى كلامه، بطريقة أو بأخرى، العبارة نفسها: متى سينتبهون إليّ؟
كنت أتعجب من سؤاله. فالناس منتبهون إليه بالفعل. يقرأون ما يكتب، ويتداولون أفكاره، ويقدرون تجربته. سألته مرة: ومن الذي لم ينتبه إليك؟ ماذا بقي بعد كل هذا حتى تشعر أنك وصلت؟
تردد قليلاً، ثم قال: «لا أقصد ذلك تماماً، لكن من الجميل أن يأتي يوم تشعر فيه أن هذا التعب قد جرى الاعتراف به».
بقيت عبارته في ذهني. ربما لأننا نخلط كثيراً بين أشياء تبدو متشابهة، لكنها ليست كذلك: أن تنجح، وأن ترى نفسك ناجحاً، وأن تكرم، وأن تشعر بأنك محل اعتراف.
فالنجاح يحدث أولاً. فكرة نضجت، مشروع اكتمل، كتاب وصل إلى قارئ، أو أثر ترك شيئاً في الناس. كل هذا قد يحدث قبل أن يلتفت إليه أحد.
لكن أن ترى نفسك ناجحاً أمر مختلف. قد يحقق الإنسان أشياء كثيرة، ثم يظل ينتظر شيئاً آخر كي يسمح لنفسه بأن يقول: نعم، لقد نجحت.
ثم يأتي التكريم. والجائزة جميلة، والمنصة لها بريقها، ولا أرى عيباً في أن نفرح بهما. لكنها تأتي بعد الإنجاز، ولا تصنعه.
والاعتراف أعمق قليلاً. فالجائزة قد تقول لك: «عملك يستحق»، أما الاعتراف فيقول: «نراك ونسمعك، ونعرف قيمة ما فعلت». وربما لهذا يفوز بعض الناس كثيراً، ومع ذلك يبقى في داخلهم جوع لا يشبع.
وقد تتأخر المؤسسات، كعادتها أحياناً، في الالتفات إلى شخص سنوات، وربما لا تلتفت إليه أبداً. لكن الأصعب أن يتأخر الإنسان نفسه في رؤية ما أنجزه، وأن يظل ينتظر من الآخرين أن يؤكدوا له ما تحقق بالفعل.
هنا تبدأ المفارقة. ينجح الإنسان، لكنه لا يشعر بأنه ناجح. ينتظر التكريم كي يصدق ذلك، فإذا جاء، اكتشف أن ما كان يبحث عنه أصلاً هو الاعتراف.
وهكذا قد نؤجل فرحة الإنجاز إلى محطة تالية، ثم إلى أخرى، وندور في دائرة مغلقة، بينما النجاح نفسه حدث منذ زمن.
ومع طول الانتظار، قد يتغير ما نبحث عنه أيضاً. فلا نعود نريد الاعتراف بالإنجاز فقط، بل الحضور نفسه. لا يكفينا أن ننجح، بل نريد أن يرانا الآخرون ونحن ننجح. وربما هنا تبدأ شهوة الحضور في التغلب على قناعة النجاح.
الجائزة، في أفضل حالاتها، مرآة لا شهادة ميلاد. تعكس شيئاً كان موجوداً قبلها، ولا تمنحه الحياة.
فهل يحتاج النجاح فعلاً إلى شهود، أم أن علينا أحياناً أن نتعلم كيف ننتبه إليه ونراه قبل الآخرين؟.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة