الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

مؤسسات سلام في بيئة الحرب

27 يوليو 2026 00:09 صباحًا | آخر تحديث: 27 يوليو 00:09 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
منذ عام 2010 يقف العالم على ساق ونصف الساق، كما يقال، ذاك العام الذي انفجرت فيه الاضطرابات (في السابق كانت تسمّى ثورات)، وشاعت الفوضى في أكثر من دولة عربية تحت مسميات مختلفة ومن أهمها: إقامة الخلافة الإسلامية محاربة الديكتاتوريين، تحقيق الديمقراطية، إضافة إلى أهداف أخرى. ونجحت هذه الحركات (التحررية) في بعض المناطق، وفشلت فشلاً ذريعاً في مناطق أخرى، حتى إن شريحة من المواطنين أصبحت تترحّم على تلك العهود (الديكتاتورية).
منذ ذلك العام، خرج المارد من قمقمه ولم يعُد، أي لم تعُد الأمور إلى واقعها التي كانت عليه، بل ازدادت سوءاً، ومن أهم النتائج  ظهور الطائفية وانتشارها بشكل أعمى، وبذلك استبدل الناس بالديكتاتورية السياسية الديكتاتورية الدينية، فانقسمت الشعوب وزادت نسبة الضغينة بين أطيافها، وشارفت في بعض المناطق على التحوّل إلى حرب أهلية.
ولم تنجُ منطقة في العالم من شرر الطائفية والتعصّب الديني، وقد رافق ذلك الشرر مذابح حقيقية، وفي نفوس البعض، هي قرابين للتقرب إلى الله. وما الأحداث (الفردية) التي نراها في العالم وهي عبارة عن فتح النار على مدارس أطفال، أو متسوقين في مركز تجاري، أو مؤمنين في أماكن العبادة، تلك الأحداث التي يطلقون عليها (فردية)، إلا ترسّبات من المناهج العدائية المتطرفة، التي ترى كل دين آخر عدواً لها.
قد لا تكون الصورة بهذه الفجاجة، إلا أنها قريبة من الحقيقة. والحقيقة نسبية في المجتمعات المتحررة أو المتطرفة، بينما الحقيقة هي الحقيقة في المجتمعات الموضوعية والمتسامحة.
لقد انطلقت الشرارة من الشرق الأوسط وانتقلت إلى العالم، وكأنه كان مُغطّى بقشّة، واحترقت القشة، أو ظهرت عورة المجتمعات. وما ينطبق على الشعوب والمجتمعات ينطبق على الحكومات والدول، فمرة ينجح حزب يميني متطرف في الوصول إلى سدة الحكم، ومرة يصل حزب يساري منفتح إلى سدة الحكم، والمفاجأة أن الطرفين أوالحزبين يطبقان سياسة واحدة، واحد يذبح الناس بسكين صدئ وآخر يفعلها بسكين حاد ملفوف بالحرير، والهدف واحد.
أبرز الأدلة على ذلك ما يحدث في أوكرانيا وروسيا، وما يحدث في الشرق الأوسط، بين إسرائيل والفلسطينيين أو العرب، وما يحدث حالياً بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، ولو تعمّقنا أكثر، سنذكر ما يحدث بين القبائل الإفريقية، وما يحدث في لبنان من تدمير للقرى والمحاصيل الزراعية، وفي اليومين الماضيين، ما حدث في منطقة زراعية في نابلس، والفاعل واحد في كل المناطق، هو المتطرف الموغل في الكراهية، والعاشق لتقسيم البلاد، وخلق مناطق نزاع مستدامة، تتغذى مصانع الأسلحة عليها، وكذلك مصانع الأدوية وصناعة الأطراف البشرية.
يحدث هذا في العالم حيث تتعرض الإنسانية للتلوث والانتهاك، في ظل وجود مجالس للحكمة والسلام. ومع قليل من البحث سنجد التالي:
مجلس حكماء إفريقيا ومقره أديس أبابا، وهو هيئة استشارية تابعة للاتحاد الإفريقي، أُنشئت عام 2007 كجزء من هيكل السلم والأمن الإفريقي، يضم نخبة من الشخصيات الإفريقية البارزة ذات الخبرة في السياسة والدبلوماسية وحلّ النزاعات، ويُعتبر إحدى أهم أدوات الاتحاد الإفريقي في تعزيز السلم والأمن بالقارة.
وهناك مجلس الأمن الدولي ومقره في نيويورك، وهو الهيئة الأعلى في حفظ السلم والأمن الدوليين، ويتخذ قرارات ملزمة بشأن النزاعات والحروب.
وهناك مجلس حكماء المسلمين، وهو هيئة دولية مستقلة تأسست في عام 2014 ويضم نخبة من العلماء والوجهاء بهدف تعزيز السلم العالمي ونشر قيم الحوار والتسامح والتعايش الإنساني.
ورغم وجود تلك المؤسسات، ولو ضربنا مثلاً في إفريقيا، سنجد في السودان، أن اندلاع الحرب منذ إبريل 2023، أدى إلى تقسيم فعلي للبلاد، وراح ضحية النزاع عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين.
وفي الكونغو الديمقراطية، تصاعد تمرد حركة M23 منذ 2012، وتوسع بشكل كبير في 2024-2025.
وفي منطقة الساحل (مالي، بوركينا فاسو، النيجر)، هناك انتشار للجماعات المسلحة المرتبطة ب «القاعدة» و«داعش». وقد تصاعدت الهجمات الإرهابية منذ 2014، مع آلاف الضحايا سنوياً.
أما الصومال، فيشهد استمرار هجمات حركة «الشباب المجاهدين» ضد الحكومة والقوات الإفريقية، ورغم بعض التقدم، لا تزال البلاد تعاني التفجيرات والاغتيالات. وشهدت إثيوبيا حرب تيغراي (2020-2022) بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير تيغراي، وخلفت آلاف القتلى مع مجاعة ونزوح واسع.
والمنطقة الإفريقية مسكوت عنها إعلامياً، إضافة إلى صمت مؤسسات السلام والحكمة، بما فيها مجلس الأمن، ما يطرح ألف علامة استفهام.
ورغم وجود مؤسسات تُعنى بالسلام في العالم والشرق الأوسط، لا تزال الحرب تهدد ملايين الأشخاص، في أرواحهم وممتلكاتهم، ما يعني الحاجة الماسة لمراكز الحكمة والسلام بصلاحيات واسعة، تتمتّع بموضوعية وصدق عال.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة