الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الاتجّار في البشر وتواطؤ الآخر

31 أغسطس 2026 00:09 صباحًا | آخر تحديث: 31 أغسطس 00:09 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يكفي معنى العبارة المباشر حتى تشمئز النفس وتستنفر كل الحواس، لتثور أسئلة حول الإنسانية، والمدنية، والتطوّر، ومعنى التقدّم، في القيم الأخلاقية، فهذه التجارة ليست بالبشر فقط، وإنما بإنسانية الإنسان، لأنها تحوّل الإنسان نفسه إلى سلعة، وذلك حين يُستدرج للعمل، أو السفر، أو الزواج، أو الوعد بحياة أفضل، ليجد نفسه محاصراً بالقوة، أو الخداع، أو الابتزاز، أو الديون، وقد انتُزعت منه حريته، وأصبح جسده أو عمله مصدراً للربح.
الأمم المتحدة تعرّف الاتّجار في البشر أو بالأشخاص، بأنه «تجنيد، أو نقل، أو إيواء، أو استقبال أشخاص باستخدام القوة، أو التهديد، أو الإكراه، أو الاختطاف، أو الخداع، أو استغلال حالة الضعف، بقصد استغلالهم. والاستغلال قد يكون جنسياً، أو عمالياً، أو بأشكال أخرى..».
وتقول بعض الأدبيات، إن أبرز أشكال الاتّجار هو الاستغلال الجنسي، حيث تُجبر النساء والفتيات، وأحياناً الرجال والأطفال، على الدعارة، أو إنتاج المواد الإباحية، أو أشكال أخرى من الاستغلال الجنسي، وهناك الاتجّار بغرض العمل القسري، إذ قد يجد الضحية نفسه يعمل في الزراعة، أو البناء، أو المصانع، أو المطاعم، أو المنازل، أو المناجم، أو على متن سفن الصيد، من دون حرية حقيقية في ترك العمل، وتحت تهديد العنف، أو الترحيل، أو حجز الأجر، أو الوثائق، أو تحميله ديوناً مصطنعة، وهناك أيضاً العبودية المنزلية، وتخص العمالة المنزلية، حين يُحرم العامل من أجره أو وثائقه، وحريته في الحركة، ويتعرض للتهديد أو العنف.
ومن الأشكال الأخرى للاتجار في البشر هو استغلال الأطفال في التسوّل، أو الأعمال القسرية، أو الاستغلال الجنسي، إضافة إلى تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات المسلحة، وقد رأينا ذلك في فيديوهات ميليشيات كثيرة، من بينها الميليشيات المتطرفة.
إن ما يزيد المشكلة تعقيداً هو غياب الإحصاءات العالمية، لأن جزءاً كبيراً من المُتاجَر بهم لا يستطيع الوصول إلى الأجهزة الأمنية، بل يخاف فعل ذلك خوفاً من العقاب. وقد سجّلت الأمم المتحدة نحو 74785 ضحية اتّجار في البشر عام 2022، وكان من بين هؤلاء 38% أطفالاً، و62% بالغين، ويقال إن الأعداد في تزايد، أو أكثر مما تعلن عنه الأمم المتحدة، أو الأجهزة الأمنية، بخاصة حين يتعلق الأمر بالفتيات حيث يتعرّضن لاستغلال جنسي بشع، ويخشين التبليغ مخافة الفضيحة.
ويشكّل العمل القسري أكثر أشكال الاتجار في البشر، وتقول منظمة العدل الدولية إن نحو 27.6 مليون إنسان كانوا يعيشون في ظروف عمل قسري في عام 2021، وتقدّر المنظمة الأرباح غير المشروعة الناتجة عن العمل القسري بنحو 236 مليار دولار، سنوياً.
ويصف المختصون في تتبع هذه الظاهرة بأن هذا العمل الإجرامي لا يمكن حصره في دولة واحدة، لأن الظاهرة عالمية، وتزدهر شبكات الاتجار في البشر في المجتمعات التي تعاني الفقر، والبطالة، والحروب، والنزوح، والهجرة غير النظامية، وفي البلدان التي تشهد ضعفاً في مؤسساتها، وتمارس التمييز، وتنعدم فيها الحماية القانونية للعمال المهاجرين. وتستغل الشبكات المجرمة وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت لاستدراج المستهدفين، حيث ينتحل المجرمون أسماء أصحاب شركات، أو وكالات توظيف، أو أشخاص يبحثون عن الزواج أو العمل، وما يسهّل عمل هؤلاء هو تواطؤ بعض المسؤولين الحكوميين، ويشير تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية عن الاتجّار في البشر لعام 2024 صراحة إلى «أن التواطؤ الرسمي داخل أجهزة إنفاذ القانون والسجون والحكومات المحلية يمكن أن يسهّل جرائم الاتجّار، وأن محاكمة المسؤولين المتواطئين غالباً ما تتأخر، أو تكون محدودة..».
لهذا، يصعب القضاء على جرائم الاتجّار في البشر لأنه يقوم على معادلة اقتصادية مربكة، فالأرباح الضخمة تجعل الجريمة جذابة للشبكات المنظمة، وتزداد المشكلة حين تُعامل الضحية نفسها كمجرم، كأن يُحتجز شخص أُجبر على ارتكاب جريمة نتيجة الاتجّار فيه.
إن مكافحة جرائم الاتّجار في البشر تستند إلى عناصر عدّة منها، تتبع الأموال الناتجة عن الاتجّار ومصادرتها، وتؤكد جهات قضائية على حماية الضحية قبل التفكير في معاقبتها، وتوفير المأوى، والعلاج، والدعم النفسي، والمساعدة القانونية، إضافة إلى تجفيف منابع الاستغلال، ومراقبة شركات التوظيف، ووكالات السفر، وسماسرة العمالة، وفرض عقوبات شديدة على من يتاجرون بعقود العمل الوهمية، أو يستغلون العمال المهاجرين. ومن وسائل مكافحة الاتّجار في البشر توفير الحماية للأطفال، إضافة إلى التعاون الدولي، ومحاربة الفساد داخل مؤسسات الدولة، وقد تكون محاربة الفساد هي الأهم لأنه يرتبط بشراء الذمم، وتسهيل التنقل.
وفي النهاية، فإن الاتّجار في البشر ليس مجرّد جريمة اقتصادية، إنه اعتداء على المعنى نفسه الذي يجعل الإنسان إنساناً، فحين يُباع جسد امرأة، أو يُحرم عامل من أجره وحريته، أو يُجبر طفل على التسوّل، أو يُنقل شاب إلى بلد آخر ليُجبر على ارتكاب الجرائم الإلكترونية، فإن المسألة لا تتعلق بمخالفة قانونية فقط. إنها عودة، في ثياب حديثة، إلى منطق العبودية. لهذا، فإن المعركة الحقيقية لا تبدأ من السجون وتنتهي بها. إنها تبدأ من الوقاية، والتعليم، والعمل الكريم، وحماية الطفل، وملاحقة المال، واستقلال القضاء، ومحاسبة المسؤول الذي يحمي المجرم قبل محاسبة المجرم نفسه، وللحديث بقية..
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة