الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

تحييد هرمز.. الفكرة والواقع

28 يوليو 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 28 يوليو 00:06 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
على مر عقود طويلة، ظل مضيق هرمز يمثل العقدة الجيوسياسية الأكثر تعقيداً في معادلات الأمن الإقليمي والدولي، والممر الحيوي الذي ينبض منه الاقتصاد العالمي بالطاقة، ومع كل تصاعد لوتيرة التوترات في منطقة الشرق الأوسط، كانت تلوح في الأفق مخاطر شلل الملاحة وإغلاق هذا الشريان الضيق، الذي يبلغ عرضه نحو 39 كم، مما يضع أسواق النفط العالمية تحت التهديد المستمر والابتزاز السياسي.
ولم يكن إطلاق صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لقب «رئة الإمارات» على إمارة الفجيرة مجرد وصف مجازي للموقع الجغرافي الفريد، بل هو تكثيف سياسي واستراتيجي بالغ العمق والرمزية، إذ تُشكل الفجيرة المطلة على خليج عمان، خارج مضيق هرمز، المتنفس الاستراتيجي والمرتكز الجيوسياسي بالغ الأهمية.
وفي عالم تموج فيه البحار بالاضطرابات الجيوسياسية، يأتي تحرك دولة الإمارات العربية المتحدة المدروس لتقليص الاعتماد على مضيق هرمز كخطوة سيادية واقتصادية رائدة، تعيد صياغة معادلة الأمن اللوجستي الإقليمي، وتحول التحديات الجغرافية الصعبة إلى فرص استثمارية واعدة ومستدامة.
تبنت دولة الإمارات استراتيجية سياسية واقتصادية استباقية تقوم على رفض الارتهان للتقلبات البحرية والمخاطر الإقليمية، وعملت بثبات على نقل فكرة «تحييد المضيق» من إطار التخطيط النظري والسيناريوهات الورقية إلى واقع ملموس يحمي مقدراتها الوطنية واستقرار أسواق الطاقة.
ولم يكن مشروع خط أنابيب «حبشان - الفجيرة» مجرد مشروع بنية تحتية عملاق لنقل ملايين البراميل يومياً، بل رسالة سياسية ودبلوماسية واضحة تؤكد أن الخطط الإماراتية تتمتع بالمرونة والقدرة على الاستجابة المبكرة للتحولات المعقدة.
يرتبط ميناء الفجيرة النفطي بخط أنابيب حبشان الفجيرة الممتد لمسافة 406 كيلومترات، بين منشآت تجميع النفط في حبشان بأبوظبي، ومحطة التصدير في الفجيرة، بطاقة تصميمية تبلغ 1.5 مليون برميل يومياً، ما يتيح للإمارات تصدير جزء كبير من إنتاجها النفطي مباشرة إلى الأسواق العالمية عبر خليج عُمان، بعيداً عن مضيق هرمز، إذ تم تدشين الخط في عام 2012.
وبالتوازي مع تشغيل خط أنابيب حبشان الفجيرة، تمضي الإمارات في تنفيذ مشروع خط أنابيب «غرب شرق 1»، المتوقع دخوله الخدمة في عام 2027.
وكان سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، قد أعلن عن الخط الجديد خلال اجتماع مجلس إدارة «أدنوك» في مايو الماضي، والذي من المخطط أن يضاعف السعة التصديرية ل«أدنوك» عبر إمارة الفجيرة.
إن التحييد العملي لأهمية مضيق هرمز في الفكر السياسي الإماراتي يعكس فلسفة دولة لا تنتظر وقوع الأزمات لتبحث عن المخارج، بل تصنع بدائلها في أوقات الاستقرار والتمدد الاقتصادي.
حين يضيق «المضيق» بفعل التجاذبات الإقليمية المتسارعة، تتسع دائماً الخيارات الاستراتيجية البديلة التي صنعتها الإمارات برؤية ثاقبة، لتؤكد مجدداً أن الريادة الجيوسياسية لا تحددها الجغرافيا الطبيعية المفروضة، بل تصنعها السياسات الرشيدة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة