الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حين تتحول مواجهة التطرف إلى سياسة وطنية وقائية

28 يوليو 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 28 يوليو 00:07 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
رغم أن مواجهة الجماعات المسلحة في بوركينا فاسو تُقرأ غالباً من زاوية العمليات العسكرية، واستعادة المناطق، وتعزيز قدرات الجيش، فإن تحركات رئيس المرحلة الانتقالية، إبراهيم تراوري، تكشف عن تحول أكثر عمقاً في فهم طبيعة التهديد ذاته. فالتطرف لا يبدأ حين يحمل الفرد السلاح، بل قبل ذلك، حين يتشكل وعيه داخل خطاب يبرر العنف، ويمنحه غطاءً دينياً، ويعيد تقديم الدولة والمجتمع بوصفهما خصمين للعقيدة. وهنا يبرز التساؤل: هل يمكن فعلاً هزيمة الجماعات المتطرفة في الميدان، إذا بقيت الأفكار التي تغذيها تتحرك بحرية داخل المجتمع؟ وهل تكفي المعالجة الأمنية، إذا ظلّت المنابع الفكرية والاجتماعية للتطرف بلا تنظيم؟
من هذا المنظور، لا تبدو تصريحات تراوري بشأن «الإسلام الراديكالي» مجرد لهجة سياسية متشددة، بل تعكس محاولة لنقل المواجهة من رد الفعل إلى الوقاية. فحين تعلن الدولة أنها ستعلق عمل الأئمة الذين يستخدمون المنابر لنشر خطاب متطرف، وتدعم في المقابل من يروجون خطاباً دينياً سلمياً ومسؤولاً، فإنها لا تستهدف الدين، بل تحاول استعادة المجال الديني من الجهات التي تسعى إلى احتكاره وتوظيفه في التجنيد والتحريض. فما الذي يجعل محاربة التطرف عبر الخطاب أقل مشروعية من محاربته عبر السلاح؟ ولماذا يُنظر إلى تدخل الدولة بعد وقوع العنف بوصفه ضرورة، بينما يُنظر إلى تدخلها قبل وقوعه بوصفه تضييقاً؟
تكتسب هذه المقاربة أهميتها من واقع بوركينا فاسو، التي تواجه منذ سنوات جماعات مرتبطة ب«القاعدة» و«داعش»، استطاعت التمدد ليس فقط بفعل ضعف الحضور الأمني، بل أيضاً عبر استغلال التهميش، والفقر، وتراجع الخدمات، والاستقطاب السياسي، وتقديم العنف في صورة دينية تمنحه شرعية زائفة. وفي مثل هذا السياق، يصبح الإمام، والمدرسة الدينية، ومصدر التمويل، وبرنامج الدراسة في الخارج، عناصر لا يمكن فصلها عن معادلة الأمن الوطني.
ويأتي قانون الحريات الدينية، الذي أقره البرلمان الانتقالي، ضمن هذا التصور الأوسع. فالقانون لا يقتصر على ضبط الشعائر، بل يتناول ممارسات مثل التسول القسري للأطفال، وغياب الشفافية المالية داخل بعض المؤسسات الدينية، واستخدام الدين بصورة تهدد النظام العام. وهذه الإجراءات، رغم ما أثارته من جدل، تعيد طرح سؤال ظل مؤجلاً: أين تنتهي حرية الممارسة الدينية، وأين تبدأ مسؤولية الدولة في حماية المجتمع من الاستغلال والتحريض؟ فالحرية لا تعني ترك المؤسسات خارج أي رقابة، كما أن حماية الدين لا تعني حماية كل ممارسة تُرتكب باسمه.
أما قرار إعادة الطلبة الذين يدرسون الشريعة في الخارج، فيكشف بعداً آخر في سياسة «تراوري». فالمسألة لا تتعلق برفض التعليم الديني في حد ذاته، بقدر ما ترتبط بمصدر هذا التعليم، والجهات التي تموله، ومدى توافقه مع احتياجات البلاد. فهل تملك الدولة ترف تجاهل المناهج التي يتلقاها هؤلاء، أو الشبكات الفكرية والمالية التي قد يعودون مرتبطين بها؟
ويزداد هذا البعد أهمية مع تحذير «تراوري» من استخدام قوى خارجية للدين لزعزعة استقرار البلاد. فالتأثير الخارجي لا يتحرك دائماً عبر الدعم العسكري، بل قد يبدأ بمنح دراسية، أو تمويل مؤسسات، أو تشكيل مرجعيات دينية منفصلة عن السياق الوطني. وهنا لا يكون الهدف إغلاق البلاد أمام المعرفة، بل التأكد من أن الخطاب الديني الذي يتشكل داخلها لا يتحول إلى امتداد لأجندات خارجية. أليست حماية السيادة الفكرية جزءاً من حماية السيادة الأمنية؟
ربما تكمن أهمية هذه الإجراءات في أنها تتعامل مع التطرف بوصفه مساراً تراكمياً، لا حادثة أمنية منفصلة. فالجماعة المسلحة لا تُولد مكتملة، بل تمر عبر خطاب، واستقطاب، وتمويل، وتكوين فكري، ثم تتحول لاحقاً إلى تنظيم قادر على ممارسة العنف. وكلما ضاقت مساحة الخطاب المتشدد، وتراجعت قدرته على منح العنف شرعية دينية، تقلّصت تدريجياً قدرة الجماعات المسلحة على التجنيد والتعبئة، وأصبح الوصول إلى مقاتلين جدد أكثر صعوبة وكلفة. وبالتالي، فإن تنظيم الخطاب الديني، ومراقبة مصادر التمويل، وإعادة توجيه التعليم، ودعم الأئمة المعتدلين، لا تمثل إجراءات جانبية، بل جبهة موازية للمعركة العسكرية.
وفي المحصلة، لا تعكس سياسة «تراوري» «حرباً على الإسلام»، كما يروّج بعض المعارضين والمتشددين، بقدر ما تمثل محاولة لحمايته من الاختطاف الأيديولوجي، ومنع توظيفه أداةً لتبرير العنف وتقويض الدولة والمجتمع.
صحيح أن فاعلية هذه المقاربة تظل مرتبطة بوضوح الضوابط التي تفصل بين التعدد المشروع والخطاب المحرّض، إلا أن الحاجة إليها تبدو أكثر إلحاحاً في بيئة تعتمد فيها الجماعات المسلحة على التعبئة الفكرية بقدر اعتمادها على القوة الميدانية.
فحين تتأخر الدولة في التدخل إلى ما بعد اكتمال دوائر الاستقطاب والتجنيد، تصبح المواجهة أكثر كلفة وصعوبة، وتصبح الأداة الأمنية أقل قدرة على تفكيك الأسباب التي تتيح للتهديد إعادة إنتاج نفسه. ومن هنا تكتسب المقاربة البوركينابية أهميتها، فإذا كانت الجماعات المتطرفة تصنع القناعة قبل أن تصنع المقاتل، أفلا ينبغي أن تنطلق مواجهتها من المساحات التي تُنتج فيها تلك القناعة؟
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة