كانت الحياة أبسط من أن تُشرح، وكانت القلوب أصدق من أن تُستشار، حتى أصبحنا نثق بما يُقال لنا عن أنفسنا أكثر مما نثق بما كانت تهمس به أرواحنا.
في كل مرة أفتح هاتفي، يعترضني شخص يخبرني كيف أحب نفسي، وآخر يعلمني كيف أرسم حدودي، وثالث يعدني بأنه سيعيد ترتيب علاقتي بالحياة في خمس جلسات! كأن قلوبنا التي عرفت الطريق بالفطرة، أصبحت تستعير من الآخرين أسماء لمشاعرها، وتعريفات لأحزانها، ودليل استخدام لعلاقاتها.
صرنا نفتش عن تفسير لكل صمت، وتعريف لكل خوف، وتصنيف لكل علاقة، حتى بدا كأن الحقيقة لا تستحق أن تُصدق، إلا إذا جاءت مرتدية ثوباً معقداً، بينما الحياة، منذ أول فجر، لم تكن تعرف هذا الإسراف في الشرح. كانت تهمس، ثم تمضي.
في هذا الكون، لا شيء يحب المفاجآت. الفجر لا يهبط دفعة واحدة، بل يبدأ بخيط ضوء خافت لا يكاد يُرى. والخريف لا يأتي يوم تتساقط الأوراق، بل يوم تعجز الشجرة عن إرواء أول ورقة. وحتى البحر، لا يغرق السفن في الموجة الأولى، بل في أول قطرة ماء وجدت طريقها إلى الداخل. وحده الإنسان يصدق النهاية، وينسى أنه تجاهل البدايات.
ولهذا، لسنا سيئين في قراءة البشر كما نظن، بل بارعون في تأجيل الاعتراف بما قرأناه، فالإشارة الأولى نادراً ما تكون غامضة، وإنما الغامض هو قدرتنا العجيبة على مساومة الحقيقة كلما تعارضت مع أمنياتنا. نقول: ربما كنت مخطئاً. ربما سيتغير. ربما لم يقصد. ليس لأننا لا نرى، بل لأن الأمل، حين يتعلق القلب، يجيد تأجيل ما تعرفه البصيرة.
ثم نمضي سنوات نبحث عن سر النضج، كأنه وصفة تُدرس أو دورة تُشترى، بينما هو، في جوهره، شجاعة هادئة. شجاعة أن نصغي لذلك الهمس الأول قبل أن يتحول إلى ضجيج، وأن نثق بما شعرت به أرواحنا قبل أن تتدخل رغباتنا لتفاوضه.
لعل أجمل ما يمنحه لنا العمر، ليس عيوناً أكثر حدة، بل قلب أقل ضجيجاً، فالحيــاة لا تكثر من إشاراتها، لكنها تكررها لمن لا يصغي. أما النضج، فليس أن نصبح أقل حباً، ولا أكثر شكاً، بل أن نتوقف عن مطالبة الحقيقة بأن تغير ملامحها، كي تشبه أحلامنا، فبعض العلاقات لا تنتهــي يــوم نغادرهــا، بل يــوم تجاهلنــا أول همسة قالت لنا، برفق يشبه الرحمة: ليس كل ما تحبه الروح يصلح أن تسكنه.
