الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

لا رطب بلا «قيظ»

22 يوليو 2026 00:31 صباحًا | آخر تحديث: 22 يوليو 00:32 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في ليوا، لا يبدأ الصيف بارتفاع درجات الحرارة، بل بنضوج الرطب. وما إن تُفتح أبواب المهرجان حتى تستعيد الواحة إيقاعها القديم؛ تتقاطر مخاريف الرطب، حاملةً الخلاص والدباس والخنيزي والفرض والزاملي والشيشي وبومعان، كأن كل مخرافة تحمل حكاية موسم كامل من الصبر إلى منصات التحكيم، فيما يتنقل الزوار بين مسابقات مزاينة الرطب، وأكبر عذج، وأجمل عرجون، وتتجاور معارض الابتكار الزراعي السوق الشعبي، وتنساب الحرف التقليدية بين ضحكات الأطفال، كأن النخلة ما زالت، حتى اليوم، تجمع العائلة الإماراتية حول ظلها. هناك، لا يبدو الرطب مجرد محصول صيف، بل لغة تتحدث بها الأرض عن نفسها.
وإذا سنحت لك الفرصة لزيارة ليوا، فلا تذهب إليها سائحاً يحمل كاميرته، بل قارئاً يبحث عن معنى أبعد من المشهد. قف قليلاً أمام وجوه المزارعين، وتأمل الأيدي التي تحمل العذوق بفخر لا يشبه فخر التجارة، وأنصت إلى أسماء الأصناف وهي تتداول كما تُتداول أسماء الأحبة. ستدرك أن ما يُعرض أمامك ليس حصاد موسم، بل سيرة أناس كتبوا علاقتهم بهذه الأرض قبل أن تُكتب في الكتب.
هؤلاء لم يعيشوا في زمن كانت الحياة فيه سهلة. عرفوا قسوة الصحراء، وشح الماء، وطول الانتظار، لكنهم امتلكوا شيئاً أعظم من وفرة الموارد، امتلكوا طريقة مختلفة في قراءة الحياة. كان «القيظ» موعداً للرطب، لكنهم لم يجعلوه عنواناً للعناء. لم ينظروا إلى الشمس بوصفها خصماً، لأنهم كانوا يرون، خلف وهجها، الثمرة التي لم تنضج بعد. أدركوا، بفطرتهم، أن بعض العطايا لا تأتي رغم المشقة، بل تنضج بها، وأن الطريق إلى الحلاوة يمر، أحياناً، عبر أكثر الفصول قسوة.
ربما لهذا لا يحتفي مهرجان ليوا بالرطب وحده، بل يحتفي بطريقة أجدادنا في النظر إلى العالم، فقد علمونا أن الإنسان لا يقاس بقدرته على الهروب من «القيظ»، بل بقدرته على أن يرى، في قلب حرارته، بشارة الثمرة. وذلك إرث لا تحفظه المتاحف، بل تحفظه المواسم.
هكذا كان الأجداد يقرؤون الحياة، لا بما تأخذه منهم، بل بما تعدهم به. كانوا يعرفون أن الشمس نفسها التي تُرهق الخطى، هي التي تنضج الثمار، وأن الطريق الذي يطول لا يعني أنه أخطأ وجهته. لذلك، لم يكن «القيظ» في ذاكرتهم موسم احتمال، بل موسم يقين. ومَن عَرف كيف ينتظر الرطب تحت وهج «القيظ»، يعرف أن الحياة لا تمنح أجمل هداياها إلا لمن يؤمن بأن لكل تعب ثمرة، ولكل صبر موسم.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة