ثمة وهم شائع يحيط بفكرة الكتابة والتأليف، مفاده أن الكتابة هي فعل «إلهام» مفاجئ، تهبط على الكاتب فجأة فكرة لتكون بارقة عمل أدبي جديد، بيد أن مراجعة بسيطة لتجارب كبار الكتاب تكشف صورة مختلفة قد نراها غريبة في بعض الأحيان، فقد عمد البعض إلى تقنيات نفسية وإدراكية لتحفيز العقل على التفكير خارج الصندوق، فالإبداع لدى هذه الفئة من المبدعين كانت ممارسة واعية تقوم على إدارة الحالة النفسية، وتشكيل بيئة ذهنية قابلة للإنتاج.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة بعض طقوس الكتابة التي ارتبطت بهؤلاء الكتاب باعتبار أنها تشكل أدوات تنظيم نفسي تحث على الإبداع والإنتاج، فالروائي الفرنسي أونوريه دي بلزاك، الذي كرس حياته لإنجاز مشروعه الضخم «الكوميديا الإنسانية»، كان يعزل نفسه تماماً عن العالم الخارجي في غرفته لمدة تصل إلى 18 ساعة، مرتدياً زيّاً أشبه بعباءة الرهبان، ليتمكن من العمل بشكل متواصل والانتهاء من مؤلفاته المتعددة، مع استهلاك كميات كبيرة من القهوة لتحفيز عقله والبقاء مستيقظاً، وهذه الممارسة كانت شرطاً عنده لبدء العمل، فالنص بحسب رؤيته يحتاج إلى ذهن مستقر غير مثقل بالتشويش.
ولعل من أشهر الأمثلة وأكثرها طرافة تجربة الكاتب دان براون، الذي قدّم مثالاً على ما يمكن تسميته «إعادة ضبط الإدراك»، فكان يلجأ إلى الاسترخاء معلقاً نفسه بالمقلوب في سلوك طريف، في محاولة لكسر النمط الإدراكي المعتاد، وتلك الحركة كان ينفذها حين يتعطل عنده التفكير، لاعتقاده أن الحل في تلك الحالة تكمن في تغيير زاوية النظر بدلاً من بذل جهد إضافي في التفكير، وهذه المقاربة تعكس فهماً لدى براون لآليات العقل، الذي يحتاج أحياناً إلى محفز غير تقليدي لاستعادة نشاطه.
وفي البعد الحسي العاطفي لا يمكن إغفال تجربة الشاعر نزار قباني، الذي تعامل مع القصيدة كحالة وجدانية شاملة، فالمشاعر عند قباني ارتبطت بالعطر والألوان والمظهر وحتى الصوت، كل هذه العناصر كانت بمثابة محفزات تسهم في تهيئة المزاج العاطفي لديه، فكانت تخرج القصيدة كمنظومة حسية كاملة، تعيد ربط اللغة بالتجربة الشعورية.
ما يجمع هذه النماذج، على اختلافها، هو إدراك أن الإبداع طاقة قابلة للتهيئة والتنظيم، وربما الطقوس بحد ذاتها لا تشكل عادة ملزمة للإبداع، ولكن يمكن أن تكون جزءاً من وسائل «ضبط الإيقاع الداخلي» لدى الكاتب، وتقليل الفوضى الذهنية، وتحويل الكتابة من فعل يحتمل الصدفة أو الإلهام، إلى ممارسة مضبوطة ودقيقة يعمل المبدع على صناعتها، بحيث تكون بيئة حاضنة لبذرة فكرة لامعة.
