يمتلك العالم العربي موارد بشرية كبيرة، ومؤسسات تعليم عريقة، لكن مخرجاتها تبقى بعيدة عن الابتكار والتميز، وبعيدة عن سوق العمل، وهناك مشكلة أخرى تتعلق بالتخصصات الأكثر طلباً على مستوى العالم، مثل الهندسة والعلوم بصفة عامة، فمخرجاتها متواضعة وتفتقد للجودة والمهارة.
عندما ينهي الشاب أو الفتاة المرحلة الجامعية، يكون في حالة انفصال عما تعلمه طوال سنوات، وكأن الهدف كان ينحصر في الحصول على الشهادة. للتوضيح نلقي نظرة على ما نراه من مخرجات كلية أو قسم واحد، وهو الهندسة الميكانيكية، والتي تخرج طوال سنوات آلاف الطلاب، والسؤال: أين هؤلاء الخريجون؟ لا نشاهد مشاريعهم، ولا نراهم في السوق، بل على العكس يعتبر سوق الميكانيكا مرتعاً للجميع، وإن وجدت بعض أسماء المهندسين في السوق، ويعملون بكفاءة، فإنهم قلة وأعدادهم لا تتناسب مع الأعداد الأخرى الكبيرة.
نظرة على من يدير الورش والمصانع الصغيرة والمتوسطة تبين نقصاً حاداً في الفنيين المهرة والمهندسين المتخصصين فعلاً، وهذا يعني أن المهندسين تحديداً لا يعملون في مجال تخصصهم ولا في المكان الصحيح الذي يتناسب مع شهاداتهم العلمية. أعتقد أن المشكلة ليست في الأعداد، بل في المناهج التي تركز على جوانب نظرية بشكل صرف وبعيدة تماماً عن التطبيق والعمل الفعلي في مختبرات وورش الكلية. وليس مستغرباً أن تجد مهندساً حاضراً ذهنياً ويمكنه أن يشرح لك نظرياً الكثير من الجوانب الهندسية، لكنه قد يقف عاجزاً عندما يطلب منه تفكيك محرك أو حتى تحديد عطل ميكانيكي.
طرح هذا الموضوع ليس جديداً، بل هو قديم تماماً. يوجد انفصال بين الجامعات والمصانع الكبرى، فلا توجد برامج تدريب صيفية ولا فرص لاكتساب الخبرة العملية، ولا اتفاقيات بين الجامعات وتلك المصانع، ولا تنسيق بينهما. قد يرجع البعض السبب إلى ثقافة بعض المجتمعات، حيث ينظر إلى المهندس الذي في المكتب، وكأنه أعلى مكانة من مهندس الورشة. وبما أن هذا الموضوع قديم، فإنه قد يتفاقم ويتوسع في هذا العصر تحديداً، وذلك بسبب توجه العالم نحو الصناعات الذكية التي تعتمد على البرمجة والحسابات الإلكترونية. في اللحظة نفسها الخريج الجديد متأخر خطوتين لا يملك الخبرة اللازمة، ولا يملك المهارات التكنولوجية الحديثة.
ببساطة لن تقوم صناعة دون وجود كفاءة عالية في التعليم والتدريب، وفي الميدان الحقيقي.
