لفترة زمنية غير بعيدة، ثلاثة عقود إلى عقدين، كانت فيه الاهتمامات البشرية تدور في جوانب حياتية أعمق وأوضح، وكان ما يثقل كاهل أي إنسان جوانب واقعية ملموسة، من بينها السعي لتحقيق الذات في مجتمعات مترابطة مكانياً وثقافياً، ولعل من أهم المخاوف هي المجهول، ويصح القول إن الهموم كانت تقاس بقدرة الإنسان على صياغة معنى لحياته في محيطه القريب منه.
على سبيل المثال كانت العلاقات الإنسانية يتم بناؤها ببطء وبصبر وتضحيات، ولم تكن هناك خيارات سهلة للهروب من مواجهة الآخر، التعاطف كان سلوكاً عميقاً يترسخ من المعايشة اليومية للآمال والآلام. ومع دخول عصر التقنيات الحديثة وما نشهده من رقمية ودخول حقبة الذكاء الاصطناعي، نجد أن تلك الهموم البشرية قد تراجعت تماماً وظهور تطلعات وضغوط جديدة. على سبيل المثال منصات التواصل الاجتماعي، حولت الحالات الطبيعية للإنسان، من عمق العلاقة ومداها، إلى كمية -كمّ العدد- بغض النظر عن عمق وفائدة العلاقة والتواصل، لذا نجد أنه يمكن أن يكون لديك ألف صديق ومئات من المتابعين، وتدفق لا ينتهي من تفاصيل حياة الآخرين، لكن في اللحظة نفسها دون عمق ولا شعور بالاطمئنان، ولا تأكد من روابط هذه العلاقات ومتانتها، بل تلبسنا الإنهاك والإجهاد. وكأن البشرية بأسرها دخلت نحو ما يسمى بوهم الاتصال.
يقول الفيلسوف الكوري الألماني بيونغ تشول هان: «إن الاتصال الفائق لا يعني ترابطاً حقيقياً، بل ينتج شفافية العزلة، ومجتمع التعب، حيث يُستنزف التعاطف الإنساني لكثرة المشاهد والبيانات، فتتآكل الروابط العميقة، وتحلّ السطحية محلّ المعايشة الصادقة».
ببساطة متناهية تحولت الحياة البشرية من كيف تكون، وتعيش لحظتك، إلى مجتمعات هلامية رقيقة، استعراضية، مادية -دون تعميم-.. إن وظيفة وماهية التطور الرقمي، كونه خادماً يؤدي نحو جودة الحياة، وإضاءة للمستقبل، وحتى نعود لعمق هذه الوظيفة، لا يتطلب منّا إغلاق هواتفنا ولا الانعزال، بقدر الحاجة لوعي ومعرفة تبدأ من داخل العقل، بأن نتعامل مع منصات التواصل الاجتماعي، كونها أدوات وظيفية تسهل حياتنا، وليست مواقع وظيفتها منح القيمة أو التقدير، وليست معياراً للنجاح والتفوق. التكنولوجيا بصفة عامة، وظيفتها أن تمنحنا المعرفة والمعلومات اللازمة بسرعة ودقة، وتسهل حياتنا، وتسهم في سعادتنا ورخاء الحياة البشرية.
