في الوقت الذي تسود فيه حالة من عدم اليقين في العلاقات الأمريكية الأوروبية، منذ بدء الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، أتت قمة «الناتو» التي عُقدت في العاصمة التركية أنقرة، مؤخراً، لتعيد بقوة طرح السؤال حول الثوابت والمتغيرات في العلاقات بين الحليفين التاريخيين على جانبي الأطلسي، خصوصاً أن فترة العام ونصف العام الماضية شهدت ممارسة ضغوط كبيرة من قبل واشنطن على حلفائها الأوروبيين في قضايا عدة، عسكرية واقتصادية وتجارية وسياسية.
واستمراراً لنهجه في تصريحاته، أعاد الرئيس ترامب توجيه انتقاداته السابقة للأوروبيين بشأن زيادة الإنفاق الدفاعي للوصول إلى 5% من الناتج القومي لكل دولة، كما أظهر استياءه، بشكل واضح، من مواقف الدول الأوروبية الرئيسية الثلاث، فرنسا وألمانيا وإيطاليا، بسبب رفضها تلبية طلب واشنطن مساعدتها في الحرب ضد إيران، كما اتهم إسبانيا بأنها «شريك سيئ»، وأعطى أوامره بقطع العلاقات التجارية معها، حيث كانت مدريد أول عاصمة أوروبية ترفض الانخراط إلى جانب واشنطن وإسرائيل في الحرب ضد إيران.
ويدرك الأمريكيون والأوروبيون، على حد سواء، أن «الناتو» لا يزال ضرورة لكليهما، لكن هذه الضرورة تحتاج إلى إعادة تعريف من جديد، كما تحتاج إلى إعادة بناء الثقة. وكلا الأمرين يحتاج إلى قدر كبير من التطابق في قراءة النظام الدولي الراهن، وتحديد دور الطرفين، الأمريكي والأوروبي فيه، فقد بقيت العلاقة بين واشنطن وأوروبا مستقرة وقوية من خلال «الناتو»، على مدار عقود، وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، حيث كانت مواجهة طموحاته التوسعية الأساس المصلحي الرئيس وراء إنشاء الحلف، لكن الأسس، القيمية والسياسية والعسكرية، التي أُنشئ الحلف على أساسها طالتها متغيرات كثيرة، كما نشأت تحديات في ساحات جيوسياسية جديدة، في مقدمتها صعود الصين كقوة منافسة للولايات المتحدة في المشهد الدولي.
ويعيش الطرف الأوروبي، منذ الحرب الروسية على أوكرانيا، تحديات وتعقيدات جديدة، فمن جهة، يدرك أهمية العمل المشترك مع واشنطن لمنع انتصار روسي حاسم، وأهمية ومركزية الدعم العسكري والمالي الأمريكيين لكييف، ومن جهة ثانية، يدرك أن روسيا، في نهاية المطاف، تمثل تحدياً إقليمياً له، في حين تتركز الحسابات الاستراتيجية الكبرى لواشنطن على الصين، وبناء تحالفات لمواجهتها، كما في تحالف «كواد» الأمني الرباعي. وهذا التغير في أولويات واشنطن يدفع القوى الرئيسية في أوروبا إلى إعادة بناء أجنداتها، الدفاعية والأمنية والعسكرية، ولكن مع غياب القدرة على الاستقلالية الكاملة.
في قمة «الناتو» في أنقرة، كانت الحرب في أوكرانيا حاضرة، لكن القضية الأهم لم تكن أوكرانيا نفسها، وإنما الصناعات العسكرية، فما كشفته الحرب للأوروبيين هو محدودية قدراتهم، فبعد أكثر من ثلاثين عاماً على نهاية الحرب الباردة، اكتشفت أوروبا أن التفوق الاقتصادي والتكنولوجي لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة الكافية على إنتاج الذخائر، أو تعويض الخسائر، أو خوض حروب طويلة الأمد بالوتيرة المطلوبة، وأن مرحلة الاسترخاء بعيداً عن الحروب لا يمكن أن تدوم إلى الأبد، وأنه من الضروري إعادة بناء القدرات الدفاعية.
وفي قلب «الناتو» أيضاً، حدثت تحولات أساسية، قد يكون من شأنها أن تُحدث انزياحاً نسبياً باتجاه نفوذ أكبر للدول الطرفية، مثل تركيا وبولندا ورومانيا، حيث صعدت مكانة هذه الدول في خريطة الإنتاج العسكري ضمن الحلف، مع توسيع وتطوير قواعدها الصناعية بما يتلاءم مع التطور في مجالات المعلوماتية والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تطوير الصناعات التقليدية، مثل المركبات المدرعة وإنتاج الذخائر، فضلاً عن تنامي أهمية الموقع الجغرافي لهذه الدول، حيث باتت بولندا، على سبيل المثال لا الحصر، تشكل حجر الزاوية في الجناح الشرقي لحلف «الناتو».
وفي مواجهة هذه التحولات، أقرت ألمانيا، مؤخراً، ميزانية للإنفاق الدفاعي للفترة (2027-2030) بلغت 555.4 مليار يورو، وهي ميزانية غير مسبوقة، تهدف إلى «تعويض عقود من ضعف الاستثمار في القدرات الدفاعية»، كما شهدت العديد من الميزانيات الأوروبية زيادة في الإنفاق الدفاعي، الأمر الذي ينسجم مع ميل نحو مزيد من الاعتماد على الذات.
ولعل ما تكشفه قمة أنقرة يتجاوز حدود النقاش حول نسب الإنفاق العسكري، أو توزيع الأعباء داخل الحلف، ليصل إلى مسألة أعمق تتعلق بمعنى النفوذ ذاته في النظام الدولي المعاصر، فخلال العقود التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، بدا أن الاقتصاد والتكنولوجيا والأسواق والقوة الناعمة، أصبحت الأدوات الرئيسية لتحديد المكانة العالمية للدول، غير أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة أعادت إلى الواجهة أهمية عناصر مثل الجغرافيا، والصناعة العسكرية، والقدرة على الردع، والاستعداد لتحمّل الأعباء الأمنية، وبالتالي، فإن التحولات الجارية داخل «الناتو» تعكس بداية مرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف النفوذ ومصادره، ليس داخل الحلف فحسب، وإنما في النظام الدولي بأسره.
