ليس أمراً سهلاً وضع حدود فاصلة مطلقة بين نهاية نظام إقليمي وولادة نظام آخر، فإذا كانت التحولات الكبرى شرطاً لازماً للتحول من نظام إلى آخر، فإنها ليست شرطاً كافياً للقول بأننا أمام نظام جديد بقواعد واضحة، لكن تلك التحولات تتراكم فعلياً داخل النظام القديم إلى أن تصبح قواعده غير كافية لتفسير سلوك الدول أو ضبط صراعاتها، ما يدفع إلى الاستنتاج بأن النظام الذي كان قائماً لم يعد يعمل بالطريقة المعتادة، ولعلّ الحرب الأخيرة، وبعد مرور ستة أشهر عليها، تكشف عن حدوث متغيرات عديدة في موازين القوى، وعن إعادة حسابات حول طبيعة التحالفات القديمة، ما يجعل من المرحلة الراهنة مرحلة انتقالية مفتوحة، إلى أن تتضح معالم النظام الإقليمي الجديد.
لم تبدأ المرحلة الانتقالية مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، لكن هذه الحرب قامت بعملية تسريع وكشف لملامح المرحلة الانتقالية، ففي ميزان النتائج العملية لهذه الحرب، تكبّدت طهران خسائر عسكرية واستراتيجية وقيادية كبيرة، في الوقت الذي لم تتمكن فيه الولايات المتحدة من إحراز نصر عسكري حاسم، يتناسب مع حجم تفوقها العسكري ومكانتها العالمية، بوصفها القوة الكبرى في النظام الدولي، وهذه المفارقة ستدفع بطبيعة الحال دول المنطقة إلى إعادة تقييم مدى الاعتماد على السياسات الأمريكية وموثوقيتها في بناء الاستراتيجيات العسكرية والأمنية، وطرح سؤال حول مدى قدرة واشنطن على الإسهام في بلورة نظام إقليمي جديد.
وهنا تظهر إسرائيل بوصفها المثال الأكثر وضوحاً على الفارق بين التفوق العسكري والقدرة على تأسيس نظام إقليمي، فإذا كان صحيحاً أن إسرائيل قادرة على الوصول العسكري إلى خصومها، والقيام بعمليات تدمير واسعة، واغتيال قادة سياسيين وعسكريين كبار، فمن الصحيح أيضاً أنها بقيت عاجزة عن تقديم تصورات واقعية حول نظام إقليمي مستقر، مطابق لموازين القوى في المنطقة، وأيضاً مطابق لمصالح القوى الأساسية في الإقليم. وقد انكشف عمق الهوة بين ما يمكن أن تحدثه القوة العسكرية المتفوقة من إضعاف للخصوم، وبين إمكانية تحويل هذا التفوق إلى ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية قابلة للاستمرار.
لقد حاولت إسرائيل قبل بضع سنوات أن تقدم صورة مختلفة لها في المنطقة، من خلال ثلاث بوابات رئيسية، وهي السلام والأمن والاقتصاد، لكنها واقعياً بقيت تعتمد على الحرب كمفتاح رئيسي لتثقيل مكانتها في النظام الإقليمي، وبقيت تنظر إلى أمنها الداخلي بوصفه مسألة مستقلة عن أمن الإقليم، أو أولوية تفوق مفهوم الأمن الجماعي، وقد كشفت الحرب الأخيرة، وما أثارته من أسئلة حول دور إسرائيل كعامل استقرار في المنطقة، عن فشلها فعلياً في التعامل مع البوابات الثلاث بجدية، ما يؤكد من الناحية العملية أنها لا تمتلك تصوراً فعالاً حول ما ينبغي أن يكون عليه النظام الإقليمي الجديد، مع أنها واحدة من الفواعل المساهمة في توجيه ضربات حاسمة لإنهاء النظام القديم.
وفي قلب الأزمات العديدة التي عرفها النظام الإقليمي، وأفضت إلى واقعه الراهن، بنت معظم دول الخليج، وبدرجات متفاوتة، سياسات تقوم على الجمع بين الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وتوسيع العلاقات الاقتصادية مع الصين وآسيا، وخفض التصعيد مع إيران، والانفتاح على قوى إقليمية مثل تركيا، في محاولة منها لنقل مركز الاهتمام من الصراعات الأيديولوجية والعسكرية إلى التنمية والاستثمار والربط الاقتصادي.
وإذا كان من الضروري بمكان دراسة عوامل الانتقال في النظام الإقليمي بوصفها عوامل داخل بنية واحدة، بما تمتلكه من قواسم تاريخية وجغرافية وأزمات وتحديات مشتركة، فإن هذه البنية ليست معزولة فيما يطول مسارها الانتقالي عن تحول أكبر يجري في النظام الدولي برمته، والذي يعاني هو الآخر انتهاء الكثير من مفاعيل موازين القوى التي أنتجته.
إن دخول النظامين الدولي والإقليمي في مرحلة انتقالية ليس وحده مكمن الخطر، وإنما يكمن الخطر أيضاً في المدة التي ستستغرقها هذه المرحلة، وما تحمله من مخاطر اندلاع حروب جديدة، واعتماد مبدأ الردع بدلاً من السلام، الأمر الذي من شأنه أن يستنزف الكثير من الموارد، وأن يرتد سلباً على ضرورات التنمية، وأن يستهلك حيوات وآمال جيل آخر من أبناء المنطقة.
