في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار 2803 لدعم إدارة وإعادة إعمار غزة، وفي مطلع العام الجاري أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تأسيس «مجلس السلام»، وبعد نحو شهر ونصف الشهر من ذاك الإعلان شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران، والتي هيمنت أخبارها على كل ما عداها، في الشرق الأوسط والعالم، وتراجع الاهتمام، الإقليمي والدولي، بقضية القطاع، بما في ذلك الشقّ الإنساني.
وإذا كان قد أصبح معروفاً أن «طوفان الأقصى» هو بداية سلسلة من الأحداث الكبرى التي توالت في المنطقة ولا تزال تتفاعل، إلا أن الخلاصات العديدة التي استنتجت من هذا الحدث بقي معظمها في الإطار النظري، فبغضّ النظر عن جولات السّجال التي دارت حول صوابية، أو عدم صوابية هذه الخطوة، وهل هي فعل مقاوم مشروع، أم خطوة لاعقلانية وغير محسوبة، كان هناك شيء من الإجماع في مجمل التحليلات حول وجود مشكلة أساسية تتمثل في غياب الحل السياسي العادل للقضية الفلسطينية.
انخفض، مع مرور السنوات، مستوى نقاش القضية الفلسطينية بوصفها قضية واحدة متكاملة، وانتقل بذلك من الكل إلى أجزاء، تتصاعد أهمية بعضها أو تقل بحسب الحدث المباشر، وقضية مستقبل غزة اليوم ليست استثناء في مسلسل طويل من التهرّب المقصود إسرائيلياً من التعامل مع القضية الفلسطينية، بوصفها قضية واحدة، والعمل الممنهج على تحويلها إلى قضايا، بحيث يسهل التعامل معها بأساليب تتناسب مع كل جزء، وبحسب المدة الزمنية، ومعطياتها الموضوعية، إقليمياً ودولياً.
في هذا السياق، عمدت إسرائيل، بعد أن تراجع منسوب عملياتها العسكرية المباشرة، إلى إنشاء ما يسمى «الخط الأصفر»، وهو كتل خرسانية تعزل قواتها عن أهالي القطاع، وهو خط يتحرك بشكل شبه يومي ليقتطع مساحات جديدة من مساحة القطاع التي هي في الأساس مساحة صغيرة (نحو 360 كيلومتراً مربعاً)، قياساً بعدد سكان القطاع الذين يقدر عددهم بنحو مليونين ومئة ألف نسمة، وقد وصل ما اقتطعه الخط الأصفر، بحسب بعض التقديرات، إلى نحو 60% من مساحة القطاع، بما في ذلك نسبة كبيرة من الأراضي القابلة للزراعة، بحيث يحرم أهالي القطاع من إنتاج محصولاتهم الزراعية، ويبقيهم بحاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية، وهي في الأساس مساعدات لا تكفي لسد حاجات السكان، فهي تدخل تحت تقنين ورقابة إسرائيليين.
سياسات إسرائيل لوضع يدها، عسكرياً وأمنياً، على قطاع غزة، وجعله في حالة حصار خانق، تستمر في الوقت الذي يبدو أن الحلول السياسية لمستقبل القطاع دونها عقبات كبرى، فعلى الرغم من إعلان الرئيس ترامب في 31 يوليو/ تموز الماضي، أن مجلس السلام قد توصل إلى «اتفاق بشأن النزع الكامل لسلاح حركة حماس وجميع الفصائل المسلحة الأخرى في غزة»، إلا أنه لم يعلن عن أي تفاصيل عملية حول هذا الاتفاق، واكتفى بالإشارة إلى أن «هذا الاتفاق يمثل خطوة حاسمة باتجاه أن تحكم غزة، أخيراً، حكومة فلسطينية جديدة ستعمل بشكل وثيق مع مجلس السلام لمساعدة الشعب الفلسطيني»، ما قوبل من جانب إسرائيل بشرط أن تسلم «حماس والفصائل الأخرى» أسلحتها قبل نقاش مستقبل الحكم في غزة.
وسط هذا الاستعصاء السياسي وصلت الأحوال الإنسانية والمعيشية إلى وضع كارثي غير مسبوق، حيث يعيش مئات الألوف من الغزيين وسط دمار هائل ألحقته العمليات العسكرية، الجوية والبرية، بالأبنية السكنية والخدمية، والبنى التحتية، حيث تشير التقديرات الصادرة عن مؤسسات عدة إلى أن مخلفات الدمار تبلغ نحو 61 مليون طن من الأنقاض، وأن الكثير من جثث الضحايا لا تزال موجودة تحتها، إضافة إلى كون هذه الأنقاض هي بيئة خصبة للتلوث، وهذا ما يؤكده عدد من الإحصاءات الصادرة عن الأمم المتحدة حول طبيعة الأمراض المنتشرة بين السكان.
وفي تقرير صادر عن الأمم المتحدة في 14 أغسطس/ آب الجاري، أكدت الأمم المتحدة أن 45 غارة جوية إسرائيلية، هذا العام، استهدفت منشآت للرعاية الصحية في غزة، نصفها في مدينة رفح، وأن عدداً منها تعرّض للاقتحام واحتجز مرضى فيها، في تدمير مستمر وممنهج للقطاع الصحي الذي دُمر نحو 94% من منشآته، مثل المشافي، والمستوصفات، ومباني الإدارة، والعيادات، ما يجعل الأوضاع الصحية في غزة من أسوأ الأوضاع عالمياً.
بكل المقاييس السياسية والإنسانية تبدو غزة اليوم مؤجلة إلى أجل غير محدّد، فلا الترتيبات التي جاءت في القرار 2803 تحولت إلى خريطة قابلة للتنفيذ، ولا وجد الخلاف حول مستقبل السلاح والانسحاب الإسرائيلي طريقه إلى التسوية، في الوقت الذي تستمر فيه إسرائيل بإعادة تشكيل قطاع غزة، جغرافياً وأمنياً، مع تفاقم شديد للكارثة الإنسانية، حيث تتآكل مقومات الحياة الأساسية للسكان، وبهذا يصبح تأجيل مستقبل غزة سياسة قائمة بذاتها تسمح لإسرائيل بفرض المزيد من الوقائع على الأرض، والتعامل مع مستقبل غزة بوصفه مسألة حكم وإعمار ونزع سلاح، وليس جزءاً لا يتجزأ من القضية الفلسطينية.
