الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حرية بمسؤولية

2 أغسطس 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 2 أغسطس 00:04 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في اللحظة التي يدفع فيها الكاتب الشاب نصَه إلى النشر تبدأ مسؤوليته، مسؤولية لا تكبح حريته ولا تنتقص من إبداعه، بل تمنح كلماته وزنها وكرامتها. والكاتب الذي يعي ذلك يدرك أن حريته الحقيقية إنما تولد من حمل المسؤولية بوعي.
وأول مواطن المسؤولية احترام اللغة، فالكاتب مسؤول عن إتقانها قبل أن يستسهل كسر قواعدها، فلا يليق بمن ينتسب إلى الكلمة إخفاء ضعفه اللغوي خلف شعارات التجديد، لأن التجديد الحقيقي يبدأ من تمكّنه من لغته أولاً.
وثانيها هو الصدق، فالنص المسؤول ينبع من قناعة صادقة وليس من سعي خلف إعجاب سريع، وحين يكتب الشاب ليرضي من حوله فهو يكذب، وحين يكتب بصدق يمنح القارئ صوته وليس صدى أصوات غيره.
وثالثها مقاومة إغراء النشر المتعجل، فالنص الجيد يكتب مرة ويراجع مرات، والمراجعة ليست انتقاصاً من الموهبة بل احترام لها وللقارئ الذي سيمنح النص وقته وثقته.
ورابعها المسؤولية الأخلاقية، فوعي الكاتب بأثر ما يكتب لا يعني تحوله إلى واعظ أو رقيب على نفسه، أو أن يتعمد خنق جرأته، بل أن يدرك أن للكلمة قدرة على البناء والهدم، فيختار ما ينشره في وجدان الناس. أما تجنب ما يضلل القراء فهو مسؤولية أخرى، وكذلك الأمانة في الأصالة، أي أن لا ينسب لنفسه ما ليس له، لأن السرقة الأدبية ليست مجرد خطأ فني بل خيانة لميثاق الكلمة.
ولأن الكاتب يرث لغة صاغها آلاف قبله وتقاليد أدبية راكمها أدباء أفنوا أعمارهم فيها تنشأ مسؤولية التعامل مع إرث الأدباء من الأجيال السابقة.
وأول هذه المسؤولية القراءة المتمعنة والصادقة قبل الحكم، فمن حق الكاتب الشاب أن ينقد ويعترض ويختلف ولكن لا يحق له أن يحكم على ما لم يقرأه جيداً أو أن يتطاول عليهم بجهله، وثانيها الاحترام دون تبعية، فالطريق الصحيح أن يحترم الإرث دون أن يستنسخه وأن يبني عليه دون أن يذوب فيه.
وثالثها أن النقد الرصين شكل من أشكال الاحترام وليس نقيضاً له، وحين يختلف الشاب مع أديب كبير بناء على قراءة وحجة فهو يكرمه بأخذه على محمل الجد وليس بمعاملته كأيقونة لا تمس، بشرط أن يميز بين مناقشة النص ومجرد الاختلاف مع صاحبه.
ورابعها التواضع بوعي، فالكاتب الشاب حلقة في سلسلة زمنية طويلة، وكما ورث ممن قبله سيورث ممن بعده، والجيل الذي يبدو له اليوم قديماً كان في زمنه شاباً مثله يواجه من هم أكبر منه، وسيصبح هو الكاتب الأقدم الذي يقيمه شباب لم يولدوا بعد.
المسؤولية ليست عبئاً يثقل الكاتب الشاب ويكبح إبداعه، بل ما يمنح كتابته معناها وكرامتها، والكاتب الحر ليس من يتفلت منها بل من يختار التزامه بوعي.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة