الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
آخر الكلام

المسافات التي يتركها الزمن

20 يوليو 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 20 يوليو 00:03 2026
دقائق القراءة - 1
شارك
share
رأيتُ أمّاً وابنتها في أحد المقاهي. تشابهتا إلى حدٍ أربكني. اللباس، والضحكة، وطريقة الحديث، وحتى الهاتف في يد كل منهما. احتجتُ إلى لحظات لأعرف أيتهما الأم وأيتهما الابنة. كان المشهد معكوساً، الأم هي التي بدت أقرب إلى عالم ابنتها.
خرجت من المقهى، لكن المشهد لم يخرج من رأسي. في البداية حسبته تقليداً عابراً. ثم بدأ سؤال يلح عليّ: متى تغيّر اتجاه الطريق؟
كبرنا ونحن ننظر إلى آبائنا باعتبارهم صورة الغد. كانوا يسبقوننا بخطوات، فنمضي العمر نحاول الوصول إليهم. لم تكن تلك الخطوات مجرد فارق في العمر، بل المسافة التي يتركها الزمن بين جيل وآخر، مسافة صغيرة تكفي كي تتراكم الخبرة، ويصل ما تعلّمه السابق إلى اللاحق.
ولم تكن الأسرة يوماً تجمع أعماراً مختلفة فقط، بل أزمنةً مختلفة تحت سقف واحد. كان الجدّ قد رأى ما لم يره الأب، وعاش الأب ما لم يبلغه الابن بعد. تلك المسافات لم تكن تفصل بينهم، بل تصلهم، فمنها تنتقل التجارب، وتنضج الأحكام.
وحين ضاقت المسافات، تغيّرت الأماكن التي كانت تحفظها. كان المجلس يترك لكل جيلٍ زمنه، أما اليوم فللجميع الزمن نفسه.
اقترب الآباء والأمهات من عالم الأبناء أكثر من أي وقت مضى، حتى بدا الجميع يعيش الزمن نفسه. منح هذا التقارب العلاقة دفئاً لم تعرفه أجيال سابقة، لكنه قلّص المسافة التي كانت تحمل الخبرة من جيل إلى آخر. يحتاج الأبناء إلى آباء يسبقونهم بخطوة، ويتركون لهم ما يهتدون به حين يصلون.
السنوات وحدها لا تصنع الزمن. وإذا اختفت المسافة بين الأجيال، فمن يقف بعيداً بما يكفي يرَ ما لا نراه.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة