الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«حبكة» يابانية

4 أغسطس 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 4 أغسطس 00:02 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
حين تريد أن تستمتع بقراءة رواية مغايرة من حيث الحبكة، وتختلف كثيراً عن الروايات الغربية الكلاسيكية وحتى الحديثة، فما عليك إلا أن تتجه مباشرة إلى الرواية اليابانية. نحن هنا، أمام رواية يابانية في الأغلب الأعم تتسم بالخفة والبساطة، والتركيز على التفاصيل اليومية والتأملات النفسية، في مقابل روايات غربية يغلب عليها التعقيد وتعدد الأصوات والحبكات المركبة والتصاعد الدرامي الحاد، بينما تركز الروايات اليابانية القديمة والمعاصرة على الحالة النفسية للشخصيات أكثر من اهتمامها بالأحداث الخارجية الصاخبة.
من يدرس الخط الزمني في الرواية الغربية، يجده خطاً متداخلاً، يعتمد الاسترجاع الفني، وتعدد وجهات النظر بين الماضي والحاضر، فيما تميز الخط الزمني في الروايات اليابانية بالبطء، والتركيز على التفاصيل اليومية، والانتقال السلس بين الماضي والحاضر.
أعمال هاروكي موراكامي تمتاز بجاذبيتها، وتهافت القراء عليها، وتمتاز بهدوئها ووصفها الجميل، وأحداثها السلسة من دون صراعات ملحمية معقدة، وتمتاز باقتصادها اللغوي الذي يركز على التصوير.
الرواية العالمية الحديثة تعتمد تعدد الأصوات، كما تتسم بصعوبة اللغة، والتوتر السردي واضطراب الأحداث. تعدد الأصوات يكاد يطغى على روايات عالمية كثيرة، كما في أعمال فوكنر، جيمس جويس، ستاندال، كما توصف بعض أعمال هؤلاء بصعوبة لغتها.
مع فوكنر، يعيش القارئ أجواء التوتر وعدم الارتياح، وهو يقرأ «الصخب والعنف» أما في «يوليسيس» لجيمس جويس، فأنت أمام إعصار لغوي متعدد، ونبرات مختلفة، بين اللغة الصحفية والمحاكاة الساخرة، والمونولوج الداخلي، وأمام فيضان داخلي عنيف من الأفكار.
وقد تأثرت الرواية العربية الحديثة بالصخب السردي، وهي ترصد التمزق النفسي، والتحولات السياسية، والاجتماعية، ويعد نجيب محفوظ متأثراً بالرواية الغربية كما في «ميرامار» بحبكتها الصاخبة من خلال خمس شخصيات تروي قصصها على نحو صاخب وفكري.
في «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح أيضاً، تتداخل الأزمنة، وتتصارع الهويات بين الشرق والغرب.
نموذج الحبكة في الرواية اليابانية على ما فيه من جمال وعمق ورشاقة في التصوير، لم يتغير كثيراً، منذ «حكاية غينجي» لموراساكي شيكيبو، تلك التي كتبت من ألف عام، وقد تعاملت هذه الرواية مع تصاعد الزمن بشكل واقعي ضمن مناخات الطبيعة، وما زادها جمالاً هو طغيان الوصف والحس الشعوري، والأجواء البصرية.
وبعد، فيبقى السؤال الثقافي حول جمال الحبكة في الرواية، ماثلاً، وهو: كيف تتحول الأحداث المتسلسلة إلى بنية دلالية وجمالية تعكس رؤية الكاتب وتلامس وجدان القارئ، بدلاً من أن تبقى مجرد حكايات عابرة، فاقدة للعقدة، والتوتر والتشويق؟

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة