الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

البحث عن البجعة البيضاء في الإقليم

4 أغسطس 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 4 أغسطس 00:02 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
ارتبط مفهوم «البجعة السوداء» بالحدث النادر الذي يصعب توقعه، لكنه يترك آثاراً واسعة عندما يقع. غير أن الشرق الأوسط يعيش اليوم مفارقة مقلقة، فالبجعات السوداء لم تعد نادرة، بل تكاد تتزاحم في سماء الإقليم، حتى أصبح التصعيد خبراً يومياً، وأصبح الاستقرار هو الحدث الذي ننتظره بدهشة.
لكن ما تشهده المنطقة لم يعد كله من قبيل المفاجآت التي يستحيل توقعها، فحين تتكرر الأسباب والجهات والأدوات، لا نكون أمام «بجعات سوداء» بالمعنى الدقيق، بل أمام أزمات يجري تصنيعها وإعادة إنتاجها، إنها نتائج متوقعة لسلوك عدواني يقوم على التدخل في شؤون الدول، وتسليح الميليشيات، وتهديد الممرات البحرية، وتحويل الجغرافيا العربية إلى ساحات صراع بالوكالة. وهي سياسة تتغذى على الفوضى، وتزدهر كلما غابت الحلول الجامعة وتراجعت لغة الحوار والعقل.
خلال الأيام الماضية، تجددت صور هذا التهديد في أكثر من ساحة، فقد تعرضت منشآت نفطية في المملكة العربية السعودية لمحاولات استهداف بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية، ونُسبت إلى ميليشيات إرهابية موالية لإيران. ولم يكن المستهدف منشآت اقتصادية سعودية فحسب، بل أمن الطاقة العالمي، واستقرار الأسواق، وحق الدول في حماية سيادتها ومقدرات شعوبها.
ومن الضروري هنا التمييز بوضوح بين العراق، الدولة العربية الشقيقة، وبين جماعات مسلحة تتخذ من أراضيه منصة لتنفيذ أجندات خارجية. فهذه الميليشيات لا تمثل العراق ولا مصالح شعبه، وإنما تخدم مشروعاً إيرانياً عابراً للحدود، يقوم على تسليح الوكلاء، وإضعاف الدولة الوطنية، ومصادرة قرارها السيادي، وجرّها إلى مواجهات لا تخدم أمنها أو تنميتها.
إن السلوك الإيراني العدواني لا يقتصر على الهجمات المباشرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بل يمتد إلى بناء شبكات من الميليشيات الإرهابية، وتهديد الملاحة الدولية، واستهداف منشآت الطاقة، وزعزعة أمن دول الخليج والمنطقة. وهذا السلوك لا يصنع نفوذاً مشروعاً، بل ينتج أزمات متتالية، ويفرض على شعوب الإقليم كلفة أمنية واقتصادية وإنسانية باهظة. كما يقوّض فرص التنمية، ويبدد موارد كان يمكن أن توجه لبناء الإنسان وتحسين حياة الأفراد والمجتمعات.
وفي غزة، لا تزال فرص إنهاء الحرب محاطة بعقبات كبيرة، رغم التحركات السياسية الرامية إلى وقف القتال، ونزع سلاح الجماعات المسلحة، وفتح الطريق أمام الإغاثة وإعادة الإعمار. وفي البحر الأحمر ومضيق هرمز، لا تزال حرية الملاحة وأمن التجارة والطاقة عرضة للابتزاز والتهديد. وهكذا تتصل الأزمات ببعضها، فطائرة مسيّرة تطلقها ميليشيا إرهابية قد تهدد منشأة حيوية، وتعطل حركة السفن، وترفع أسعار الطاقة، وتدفع المنطقة خطوة إضافية نحو مواجهة أوسع. لكن الدعوة إلى السلام لا تعني الصمت عن العدوان، ولا مساواة المعتدي بمن يدافع عن سيادته، كما أن الدبلوماسية لا تعني السماح للميليشيات بفرض الأمر الواقع بقوة السلاح. فالسلام الحقيقي يبدأ بتسمية الخطر باسمه، ورفض الإرهاب، وتجفيف مصادر تمويل الميليشيات، واحترام سيادة الدول، وحصر السلاح في يد المؤسسات الشرعية. ومن دون ذلك، يتحول الحديث عن التهدئة إلى مجرد فترة انتظار بين جولتين من التصعيد.
من هنا تبرز حاجتنا إلى البحث عن «البجعة البيضاء»، لا بوصفها حلماً مثالياً، بل باعتبارها سياسة واقعية تجمع بين السلام والقوة، وبين الدبلوماسية والردع، وبين التعاون الإقليمي والالتزام بالقانون الدولي. فالبجعة البيضاء قد تكون اتفاقاً يوقف حرباً، أو موقفاً جماعياً يردع معتدياً، أو تعاوناً يحمي الممرات البحرية، أو دولة تستعيد قرارها من الميليشيات، أو مشروعاً تنموياً يجعل مصالح الشعوب أقوى من حسابات الفوضى. وكل خطوة من هذا النوع تعيد للإقليم شيئاً من التوازن، وتفتح نافذة أمل كان يظنها كثيرون مغلقة.
وهذا هو جوهر النهج الذي تتبناه دولة الإمارات العربية المتحدة، فالإمارات تدعو باستمرار إلى خفض التصعيد، وتغليب الحوار والدبلوماسية، وتعزيز التعاون بين الدول، لكنها تقف في الوقت ذاته بوضوح مع الدول الشقيقة في مواجهة الاعتداءات التي تستهدف أمنها وسيادتها. وقد أكدت تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية، ودعمها لجميع الإجراءات التي تتخذها لحماية أمنها واستقرارها، كما رحبت بكل مسار جاد يهدف إلى إنهاء الحرب في غزة وتحقيق سلام مستدام، انطلاقاً من قناعتها بأن الاستقرار مصلحة مشتركة للجميع.
إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى إدارة الأزمات بعد انفجارها فقط، بل إلى بناء نظام إقليمي يمنع ولادتها، نظام يقوم على احترام الدولة الوطنية، ورفض التدخلات الخارجية، ومكافحة الإرهاب، وحماية حرية الملاحة، وتوسيع التعاون الاقتصادي والتنموي بين الدول.
لقد طال حضور البجعات السوداء في سماء الإقليم، حتى كادت الفوضى تبدو قدراً لا يمكن تغييره. وما نأمله اليوم هو أن يصبح البحث عن البجعات البيضاء هو القاعدة لا الاستثناء، وأن يصبح السلام والاستقرار والأمن هو الخبر الطبيعي في الشرق الأوسط، بينما تعود البجعات السوداء إلى مكانها الحقيقي: أحداثاً نادرة، لا مشهداً دائماً.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة