الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أين يذهب المصوّر المبدع؟

5 أغسطس 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 5 أغسطس 00:10 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
محمد حسن الياسي
قبل سنوات قليلة، كان إنتاج لقطة افتتاحية لشروق الشمس فوق ساحل المدينة يحتاج إلى مصوّر، وسيارة، وتصريح، وساعات طويلة من الانتظار. اليوم قد تكفي جملة مكتوبة داخل أداة ذكاء اصطناعي، ثم دقائق قليلة، لتظهر لقطة جميلة ومقنعة. وهنا يبدأ القلق الحقيقي: إذا أصبحت الآلة قادرة على صنع الصورة، فما الذي يبقى لمن قضى عمره خلف الكاميرا؟
الجواب لا يبدأ من الدفاع عن المعدات، بل من فهم الفرق بين الصورة الجميلة والصورة التي شهدت حدثاً حقيقياً. الذكاء الاصطناعي يستطيع توليد خلفيات، وانتقالات، ولقطات تعبيرية، ورسوم توضيحية، بل يمكنه أن يعيد بناء مشاهد لم تقع أصلاً، لكنه لا يستطيع الوقوف في الصف الأول عند حريق، ولا التقاط نظرة أم لحظة سماعها خبراً مؤلماً، ولا معرفة الشارع الذي يضيء بطريقة مختلفة عند الغروب. الآلة تصنع صورة محتملة، أما المصوّر فيوثّق صورة حدثت بالفعل.
لهذا، لن يختفي المصوّر المبدع، بل سيتغيّر موقعه. لن يكون مجرد مشغّل للكاميرا، وإنما شاهد محترف يعرف أين يقف، ومتى يبدأ التسجيل، وما الذي يستحق أن يبقى في الذاكرة. وستصبح خبرته في المكان والناس والضوء والعلاقات المحلية أكثر قيمة، لأن هذه المعرفة لا تُولَّد بضغطة زر.
كذلك يستطيع المصوّر أن يتحول إلى مؤلف بصري يقود الأدوات الجديدة بدلاً من مقاومتها، فخبرته في العدسات، والتكوين، وحركة الكاميرا، والإيقاع، تجعله أقدر من غيره على كتابة أوصاف دقيقة وإنتاج صور لا تبدو عامة أو مكررة. والأداة التي يخشاها اليوم قد تمنحه للمرة الأولى فرصة عرض أفكاره كاملة قبل إقناع المؤسسة بتمويلها.
وسيظهر دور جديد لا يقل أهمية: ضامن المصداقية، فالقنوات ستحتاج إلى من يعرف مصدر اللقطة، وكيف أُنتجت، وهل هي موثقة أم مولدة، وكيف يجب الإشارة إليها بوضوح أمام المشاهد. ومع ازدياد الصور المصطنعة، ستصبح الثقة جزءاً من الصورة نفسها.
التحدي الحقيقي أمام القنوات المحلية ليس تقليل عدد المصوّرين، بل حماية هويتها، فالقناة لا تنافس المنصات العالمية بضخامة الصورة، وإنما بمعرفتها الدقيقة بالمكان الذي تنتمي إليه. وإذا ملأت شاشتها بصور جميلة من اللامكان، فقدت ميزتها الأساسية.
ولكي ينجح هذا التحول، تحتاج المؤسسات الإعلامية إلى سياسة واضحة تفرّق بين المادة الموثقة والمادة المولدة، وتلزم بالإشارة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي دون غموض. كما ينبغي الاستثمار في الأرشيف المحلي، لأنه أصل بصري لا تستطيع النماذج العامة تقليده بصدق. والأهم تدريب المصوّرين على كتابة الأوامر، والتحقق من النتائج، وإدارة حقوق الاستخدام، وبناء نماذج بصرية تحافظ على هوية القناة. عندها تصبح التقنية وسيلة لتوفير الوقت وتوسيع الخيال، لا ذريعة للاستغناء عن الخبرة البشرية أو استبدال الحقيقة بصورة براقة.
محمد حسن الياسي
محمد حسن الياسي

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة