لم تكن الحياة يوماً مولعة بالتكرار، فلا الطبيعة تحب التكرار، ولا الحياة تعترف بالنسخ المتطابقة، فلا ورقتي شجر تتشابهان، ولا بصمتي إصبع، ولا ملامح وجه، ولا صوتين، ولا قلبين عاشا القصة نفسها. حتى الإخوة الذين نشأوا في المنزل ذاته، وجلسوا إلى المائدة نفسها، وتلقوا التربية نفسها، لا يتشابهون في طباعهم، ولا في طريقة تفكيرهم، ولا في ردود أفعالهم، ولا في أحلامهم، وكأن الاختلاف ليس استثناءً في هذا الكون، بل هو قانونه الأكثر ثباتاً.
ومع ذلك، يقضي الإنسان جزءاً كبيراً من حياته باحثاً عن وصفة واحدة للتعامل مع الجميع، يريد طريقة تضمن نجاح التربية مع كل الأبناء، وأسلوباً واحداً ينجح مع جميع الطلاب، ومفتاحاً واحداً لكل العلاقات، ومنهجاً واحداً لكل فرق العمل، وكأننا ننسى أن الإنسان لا يأتي مُرفقاً بدليل يفسر طباعه، أو ما الذي يحفزه، أو الطريقة المثلى للتعامل معه.
الإنسان بطبيعته لم يكن يوماً معادلة يمكن تكرار نتائجها، ولهذا، ربما كان التعامل مع البشر أكثر ما يختبر فينا قدرتنا على التواضع، التواضع في الاعتراف بأننا لا نفهم كل شيء، وأن ما يريح شخصاً قد يرهق آخر، وأن الكلمة نفسها قد تكون حافزاً عند إنسان، وجرحاً عند آخر، وأن الصمت قد يكون احتراماً في نظر أحدهم، وإهمالاً في نظر غيره.
ولعل هذا ما يجعل القيادة واحدة من أكثر التجارب الإنسانية تعقيداً، فالخطط يمكن تعديلها، والإجراءات يمكن تطويرها، والأهداف يمكن قياسها. أما الإنسان، فلا يمكن التعامل معه بمنطق القوالب الجاهزة، ولعل أكبر خطأ يقع فيه القائد أن يقيس الآخرين بالمقياس الذي يقيس به نفسه، فيفترض أن ما يحفزه سيحفزهم، وما يقنعه سيقنعهم، وما يراه واضحاً سيكون واضحاً للجميع، لكن الحقيقة مختلفة، فالقائد الأكثر تأثيراً هو الأكثر قدرة على التكيف مع اختلاف البشر، من دون أن يتنازل عن مبادئه أو معاييره.
ولهذا، نستطيع أن نعتبر القيادة تدريباً على تهذيب الذات أكثر منها تدريباً على إدارة الآخرين، حيث نتعلم الصبر قبل إصدار الحكم، والإنصات قبل تقديم الحل.
وبالرغم من كل الدراسات والنظريات والممارسات القيادية، يبقى الدرس الأهم بسيطاً وعميقاً في آنٍ واحد: أن الإنسان سيظل دائماً أكبر من أن يختزل في وصفة أو معادلة، ولهذا، كانت القيادة، وستبقى، مدرسة بلا منهج.
