الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

تعميق معنى المسؤولية الإنسانية

6 أغسطس 2026 00:16 صباحًا | آخر تحديث: 6 أغسطس 00:18 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
القوانين لا تُسنّ فقط لتنظيم العلاقات بين الناس، بعضها يُشرّع ليمنح الحياة فرصة جديدة، وهذا بالضبط ما فعلته الإمارات عندما شرعنت التبرع بالأعضاء قبل سنوات، وعندما أعلنت وزارة الصحة ووقاية المجتمع قبل أيام منظومة متكاملة من الحوافز والمزايا للمتبرعين بالأعضاء البشرية وأسرهم، في خطوة تعكس فهماً عميقاً لمعنى المسؤولية الإنسانية، ورسالة واضحة بأن من يمنح إنساناً فرصة جديدة للحياة يستحق كل تقدير ورعاية.
القرار لم ينظر إلى المتبرع باعتباره مجرد شخص خضع لعملية جراحية، ولا باعتباره استخداماً لأعضاء متوفى لإنقاذ حياة إنسان يتنفس، وإنما باعتبار أي منهما شريكاً في إنقاذ روح، ومن ثمّ كان من الطبيعي أن تحيطه الدولة بمنظومة متكاملة من الرعاية الصحية والتأمين والدعم النفسي والاجتماعي واللوجستي.
الإمارات لم تلجأ إلى تقديم مكافآت مالية مباشرة، لأن التبرع بالأعضاء يجب أن يبقى عملاً إنسانياً خالصاً بعيداً عن أي صورة من صور الاتجار بالأعضاء البشرية، لكنها في الوقت نفسه أزالت كل المخاوف التي قد تمنع الإنسان من اتخاذ قرار التبرع من أعضائه أو أعضاء ذويه ممن توفاهم الله؛ فالمتبرع لن يتحمل تكاليف الفحوص أو الجراحة أو الإقامة في المستشفى، ولن يخشى فقدان التأمين الصحي أو مواجهة مضاعفات لاحقة دون رعاية، كما لن يُترك وحده خلال فترة النقاهة، إذ توفر الدولة المساعدة في السفر والإقامة والرعاية المنزلية والدعم أثناء الانقطاع عن العمل، إضافة إلى برامج للدعم النفسي والاجتماعي.
من جهة أخرى، يحظى الجانب المعنوي باهتمام لا يقل أهمية، من خلال تكريم المتبرعين الأحياء والمتوفين، ومنحهم شهادات تقدير وأوسمة، وإرسال خطابات شكر رسمية، وتوثيق قصصهم الإنسانية في المناسبات الوطنية والأكاديمية والثقافية، بما يحولهم إلى نماذج ملهمة للمجتمع.
القرار وسّع دائرة التكريم لتشمل أسر المتبرعين، خاصة أسر المتوفين الذين أنقذوا حياة آخرين بعد رحيلهم، إدراكاً بأن قرار التبرع غالباً ما يكون قراراً عائلياً يحتاج إلى دعم نفسي واجتماعي، وليس قراراً فردياً فحسب؛ ومن أهم ما تضمنته المنظومة منح أولوية معينة للمتبرع الحي وأقاربه، وكذلك لمن أوصى بالتبرع أو لذوي المتبرع بعد الوفاة، عند الحاجة المستقبلية إلى زراعة عضو، وفق الضوابط الطبية والأخلاقية، وهي رسالة تؤكد أن المجتمع لا ينسى من بادر إلى العطاء، وأن التضامن الإنساني يظل قيمة متبادلة.
هذه المنظومة تعكس فلسفة متقدمة في إدارة القطاع الصحي، فنجاح برامج زراعة الأعضاء لا يعتمد على تطور المستشفيات والأطباء وحدهم، بل يحتاج إلى بناء ثقة مجتمعية، وإزالة المخاوف، ونشر ثقافة تعتبر التبرع امتداداً لقيم التكافل والرحمة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة