كلما تحدث أحد المتخصصين في مجال التكنولوجيا والهواتف الذكية وعالم الإلكترونيات عن المحاذير والمخاطر التي تسببها تلك الوسائل ومنها إدمان الأطفال والشباب لها وتأثيرها على سلوكياتهم.. وكلما صرّح أحدهم عن فرضه نظاماً صارماً على أبنائهم ومنعهم من استخدام الهواتف والانشغال بتلك الوسائل سوى لوقت قصير ومحدد في اليوم وتحت رقابة الأهل، (ومنهم بيل غيتس نفسه)، يحسب كثير من الناس أنها مجرد كلام وصورة غير حقيقية، ويتجاهلون تلك التحذيرات والمخاطر، لذلك كنا ننتظر بشغف نتائج التجارب العملية للنظام التعليمي الذي فرضته دول عدة، خلال الأشهر الماضية، حيث منعت استخدام الهواتف الذكية طوال اليوم الدراسي.
ها هي النتائج المبشرة وقد بدأت تهل علينا، حيث أعلن مديرو مدارس منطقة بارنت شمالي لندن، وهي أول منطقة في بريطانيا طبقت حظر الهواتف الذكية في المدارس، أعلنوا أن هذا النظام انعكس إيجاباً على التلاميذ، سواء في تحسين سلوكهم، أو زيادة تركيزهم، والحد من التنمّر الإلكتروني.. هذا القرار بدأت في تطبيقه مدارس بارنت مع بداية العام الدراسي الماضي، وقبل قرار الحكومة البريطانية بتعميم هذا الحظر في مدارس إنجلترا، وقد أطلقوا على المبادرة اسم «الطفولة الخالية من الهواتف الذكية»، وشملت 103 مدارس ابتدائية و23 مدرسة ثانوية، أي أننا أمام دراسة عملية يمكن الاستناد إليها لأنها شملت آلاف الطلبة وليست محصورة بنماذج وعينات صغيرة.
أصبح تعلقنا بالهواتف مرَضياً، لدرجة أننا نشعر باضطراب وخلل إذا نسينا الهاتف قبل خروجنا من المنزل، وكأننا سنمشي في الشوارع ضالين تائهين، ماذا نفعل وكيف نتصل ولمن نلجأ في حال احتجنا أي شيء؟ ننسى أننا قبل سنوات لم يكن الهاتف رفيقنا وتوأمنا، كنا نعيش حياة طبيعية نذهب إلى المدرسة ونعود إلى البيت بلا تواصل مع الأهل وبلا قلق أو خوف، كنا نخرج مع الأصدقاء ونذهب في نزهة ونعود في المواعيد المتفق عليها مع الأهل دون أن يشعروا أو نشعر بأي خوف واضطراب، بل كنا نرتبط بوعد وكلمة ونعرف معنى الالتزام بهما، وفي حالات الطوارئ، كنا نلجأ إلى هاتف البقالة أو الأماكن العامة.
لا نريد عودة إلى الماضي لدرجة إلغاء التواصل الذي يقرّب المسافات ويسهّل علينا الحياة، إنما فقط عودة تتيح منح الأجيال الجديدة فرصة التركيز والاستمتاع بالتواصل المباشر والحوار الحقيقي بلا تنمّر ولا تزوير وبلا سرقة لقطة وتصوير أشخاص وابتزازهم وبلا نميمة إلكترونية مؤذية.. فرصة للتركيز وإعمال العقل والهدوء النفسي والاستمتاع بالأنشطة المدرسية والحركة البدنية والتحرر من قيود وإدمان العالم الافتراضي والإلكتروني.
