..شاعت، بل، انتشرت تفعيلة «فاعِلُن» وصورتها «فَعِلُنْ» في الشعر العربي الحديث وبخاصة في تجارب شعراء السبعينات والثمانينات، وهي من البحر المتدارك، وتقترب في إيقاعها وحركتها من تفعيلة «فَعولن» من البحر المتقارب، وربما تعود كثرة استخدام تفعيلة المتدارك إلى سرعتها، وخفّتها، ومرونتها في القصيدة.
وتكثر هذه التفعيلة المكررة بشكل ملحوظ تماماً في الشعر العربي الحديث في القصائد القصيرة، وفي القصائد الطويلة على السواء، واستخدمها محمود درويش، وسعدي يوسف، ومحمد عفيفي مطر، ويوسف الصايغ، وأمل دنقل، وأحمد دحبور، ومحمد القيسي، وغسان زقطان، وعبدالعزيز المقالح، وشوقي بزيع، وحسب الشيخ جعفر، ويوسف عبدالعزيز، إلى جانب عشرات شعراء تلك الأجيال المتقاربة في المزاج الشعري، واللغة، والموسيقى إلى درجة أصبحت هذه التفعيلة القصيرة السريعة «فاعلن» ظاهرة عروضية وزنية في العقود الماضية.
بالطبع، استخدم هؤلاء الشعراء تفعيلات أخرى من مثل «متفاعلن» من البحر الكامل، و«فاعلاتن» من بحر الرمل، ولكن في حدود شعرية محصورة في قصائد بعينها، وعلى سبيل المثال، نقرأ قصيدة «سنة أخرى فقط» لمحمود درويش على تفعيلة «فاعلاتن» من بحر الرمل: يقول درويش: (أصدقائي//.. مَنْ تبقّى منكُمُ يكفي لكي أحيا سنة..//.. سنة أخرى فقط..//.. سنةً تكفي لكي أعشقَ عشرين امرأة..//.. وثلاثين مدينة..//.. سنةً واحدةً تكفي لكي أُعْطِيَ للفكرة جسم السوسنة».. بالطبع، يستخدم درويش هنا «فاعلاتن» وصورتها «فَعِلاتن» من بحر الرّمل، وكذلك، نجد هذا الاستخدام لتفعيلة «فاعلاتن» وصورتها عند أمل دنقل في قصيدته التي يقول في مطلعها: (استريحي..//.. ليس للدور بقيّة..//.. انتهت كلُّ فصول المسرحية..»، لكن، بعض الشعراء يقع في الكثير من الكسور الوزنية العروضية حين يستخدمون هذه التفعيلات الصافية لأسباب تعود للشاعر نفسه، فهو إمّا يكسر عن قصد، وإمّا يكسر عن جهل في العَروض (والعَروض بالمناسبة مؤنثة وليست مذكرة)، غير أن الكسر في الحالين مذموم ومرفوض بل وممنوع في ديوان العرب. بقيت ملاحظة ثانية، وهي أن شعراء القصيدة الحديثة (قصيدة التفعيلة) لا يستخدمون تفعيلات البحور المركبة مثل البسيط (مستفعلن فاعلن، مستفعلن، فاعلن) أو بحر الخفيف: (فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن) وذلك لصعوبة هذا التركيب الوزني في الشعر الحديث. من المهم القول أيضاً، إن بعض شعراء قصيدة النثر يعرفون العروض، والبعض يجهله جهلاً مطبقاً، وهذه قضية عروضية أخرى لها الكثير من الملابسات والشروح.
