قبل حوالي عقدين من الزمن، كان الوصول إلى عنوان جديد أو مجهول رحلة بحد ذاتها، قد تسأل عابر سبيل أو تراجع لافتة، أو تحفظ مَعلماً بصرياً لكي تهتدي به عند العودة، أما اليوم فتكفي كلمتان تكتبهما في تطبيق على هاتفك المتحرك، أو بالسيارة، لتتولى هذه الأداة رسم الطريق كاملاً خطوة خطوة حتى الوصول، ولا أحد يجادل في أن هذه التطبيقات، من محركات البحث إلى الخرائط الملاحية، وفّرت الكثير من الجهد والوقت، لكن السهولة نفسها التي نمدحها ونعتمد عليها، قد تكون هي الثمن الذي ندفعه من رصيدنا الذهني والنفسي دون أن نشعر.
كثرة الاعتماد على البحث في منصات «جوجل» وغيرها من خرائط للوصول إلى محطة أو موقع، سهّلت المهمة على الباحث، ولكنها بنفس الوقت قتلت لديه الاعتماد على النفس وخلقت عنده ضرورة الاعتماد على هذه المنصات والتطبيقات التي تسبب مع الوقت ضعف الذاكرة وضعف الثقة بالنفس. صحيح أنها أصبحت أدوات الكل يستخدمها، ولكن الاعتماد عليها في كل صغيرة وكبيرة قد يخلق عند الإنسان الاتكالية وضياع الهوية الإنسانية والابداعية، بل حتى المنطقة التي في المخ والمسؤولة عن الخرائط والاستدلال مع الوقت ومع استخدام هذه المنصات قد تضعف تدريجياً، لأن أي شيء لا تستخدمه، كما هو معروف، مع الوقت يضعف ويضمحل، وبالتالي يفقد الإنسان مع الوقت ميزة خلقها الله فيه وهي تذكّر الطرقات والخرائط والاستدلال، والمطلوب منه هو التقليل من استخدام هذه التطبيقات وحتى لو ضيّع الطريق فلا بأس يستطيع أن يتوقف ويعود أدراجه ويستدل باللوحات الإرشادية التي أمامه في الشارع وكل زاوية، كما أن من يقيم على أرض الإمارات العربية المتحدة يعلم أن الشوارع مريحة ومتعددة والمخارج، وفي حال الضياع يستطيع السائق أن يعود أدراجه ويصحح مساره، واللوحات الإرشادية كبيرة وواضحة، وهذه ميزة لن تجدها في أكثر دول العالم، وقد أُنشئت الطرقات لراحة المستخدمين من مقيمين وزوار على حد سواء.
