يبدو أن مقولات النهايات في محنة حقيقية، خاصة في مجال الإبداع الأدبي، فالكثير مما حُكم عليه بالموت أو التراجع، لا يزال يعيش، بل وتتجدد الحاجة إليه بشكل مستمر. فالناقد لا يزال يمارس دوره، وكذلك المؤلف، فبعد صرعات «موت المؤلف»، اكتشفنا أن القارئ لا يزال يبحث عن «صوت» خلف النص، وعن «بوصلة» نقدية تصفّي له ركام النشر العشوائي الذي أفرزته التكنولوجيا، والقصة القصيرة عادت لتناسب إيقاع العصر السريع في شكل «ومضة»، وربما أقصر أو أطول قليلاً. ولا يزال الشعر الكلاسيكي صامداً في قلعته الحصينة، وبقاؤه يحمل حنيناً إلى الموسيقى الواضحة والوزن الذي يسهل حفظه وترديده.
لقد أربك ذلك الصمود مقولات النهايات، وأثبت أن التاريخ الأدبي لا يسير في خط مستقيم بل في دوائر حلزونية تعيد إنتاج الجوهر بملامح معاصرة. إن إعلان موت المؤلف وتواري الناقد وسقوط الأشكال الكلاسيكية لم يكن إلا فصلاً من فصول «العدمية الفنية» التي استنفدت أغراضها، ليعود الأدب اليوم إلى قواعده سالماً.
ويبدو أن تلك العودة وذلك البقاء وراءهما موقف احتجاجي من قبل القارئ ضد التجريب الذي أدخله في دهاليز «الإبهام»، بحيث تحول «الغموض» من أداة فنية تهدف إلى استفزاز ذهن القارئ إلى «سد منيع» عزل النص عن وجدان الناس. لقد أصبح الغموض غاية لدى بعض المؤلفين، فتحول الأدب إلى أحجيات مغلقة لا تمنح القارئ سوى الشعور بالاغتراب والجهل.
وربما من أبرز الأمثلة في هذا السياق بقاء الشعر والرواية الكلاسيكية وعودة القارئ إليهما، بما يمثل ذروة الصراع بين «الفوضى» و«النظام»، إذ يجد الشاعر والمتلقي في الوزن والقافية نوعاً من الأمن الروحي والإيقاعي في عالم مضطرب ومفتت. هذه العودة ليست رِدّة فنية، بل هي «كلاسيكية جديدة» تستوعب قلق الإنسان المعاصر وأزماته الوجودية، لكنها تصبها في قوالب صلبة تمنح المعنى ثباتاً وتمنح اللغة هيبتها المفقودة. ولعلنا نعيش مرحلة «التصحيح الكبرى»، حيث يتم دمج المكتسبات التجريبية للحداثة مع الرصانة الكلاسيكية، لخلق أدب يتسم بالعمق الفلسفي والوضوح الجمالي.
ويبدو أن موجات الحداثة وما بعدها توهمت أن بإمكانها قطع الصلة بالماضي، وتحويل النص إلى ساحة مفتوحة بلا مرجعيات، لكن الواقع الثقافي الراهن يكشف عن حنين جارف إلى «المركزية». وبذلك فإن الجمال لا يموت بل يتجدد، وما كان يُعتقد أنه انتهى كان في الواقع يختزن طاقته بانتظار لحظة تاريخية تعيد له اعتباره. إن الثقافة اليوم ترفض اليتم الفني وتبحث عن جذورها لتواجه بها عواصف التغيير، مما يجعل من «القديم العائد» سلاحاً فكرياً ونوعاً من المقاومة الثقافية ضد التسطيح والابتذال.
