محظوظ ومحفوظ البلد الذي رجالاته وقادته وأعيانه يحفظون الأدباء ورجال العلم وأعلام الثقافة في كلماتهم وفي ذاكرتهم وفي خطابهم القيادي اليومي، والإمارات نموذج منير على هذا السلوك الحكيم النبيل، وأقرب مثال على هذا النبل ما قاله سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم عن الأديب والقاص محمد المرّ مؤكداً سموّه في كلمته الحكيمة أن محمد المرّ «سيبقى علماً من أعلام الثقافة الإماراتية، وأحد أبناء دبي المخلصين الذين شاركوا في صنع حاضرها الثقافي، وترسيخ إرثها في الذاكرة الإنسانية».
كلمة حق في رجل حقيقة، أحاطت تماماً بشخصية ثقافية إماراتية أصيلة مرتكزة في تاريخها الأدبي إلى المعرفة والتاريخ والمكان والتراث، إنها شخصية الكاتب حين يكون ضميراً، أو يتحول إلى ضمير.
بعض أدباء وكتّاب الشعوب، يتحول إلى ظاهرة في بلده وفي العالم، والبعض يتحوّل إلى رمز، والبعض يتحوّل إلى ضمير. ومحمد المرّ رجل من هؤلاء. إنه ضمير دبي الثقافي، وقد حوّلها من مكان إلى ذاكرة وأدب وجماليات عبر الكثير من أدب القصة القصيرة الذي برع فيه منذ ثمانينات القرن العشرين، والتقط نبض الحياة في المدينة اللؤلؤة، وليس لؤلؤ البحر فقط في هذا الوصف الجمالي، بل، لؤلؤ البر أيضاً، ذلك الكامن في البشر والحجر والتراب، لؤلؤ تاريخ الإنسان، ودورانه الوجودي في مكانه الحميم، لؤلؤ المكان، ولؤلؤ الحكايات، والسرديات اليومية التي التقطها محمد المرّ في عشرات المجموعات القصصية التي هي وثيقة دبي الأدبية والجمالية.
لا يمكنك أن تُعرّف محمد المرّ بصيغة الفرد، إنه جمع بصيغة مفرد: محمد المرّ القاصّ، ومحمد المرّ الجمالي التذوقي للخط العربي، والفن والموسيقى وغنائيات التراث الشعبي للبيئات الإماراتية الثلاث: البحر، الصحراء، والجبال، ثم محمد المرّ كاتب أدب الرحلة، اللاقط الذكي اليقظ لثقافات وحضارات وجماليات الشعوب التي زارها وعرفها في بلدانها، ثم حوّلها إلى أدب رفيع، ثم محمد المرّ الصحفي، كاتب العمود الملموم المهضوم، النقيّ العبارة، وفكرته دائماً مهما اتسعت، فلا تضيق عليه عبارته، ثم محمد المرّ القيادي الثقافي، روح العمل الثقافي في مكتبة محمد بن راشد، وندوة الثقافة والعلوم في دبي.
عرفته منذ أواسط ثمانينات القرن العشرين، إنساناً وكاتباً، عرفت بلاغة الهدوء في تكوينه الإنساني الرفيع، وعرفت كما عرف المئات غيري من الكتّاب والفنانين والمسرحيين والخطاطين ارتباط رجل الأدب بالأدب، وارتباط رمز الثقافة بالثقافة من دون استعراض أو طمع أو دعاية أو استحواذ.
رجل، مكتملٌ في ذاته، عالٍ في معناه.
