عندما قررت الولايات المتحدة التدخل في الحرب في الشرق الأوسط في فبراير الماضي، فإنها أشعلت حرباً أخرى غير مسبوقة في سوق الطاقة الدولي، والتجارة الدولية بشكل عام.
إن منطقة الخليج العربي يخرج منها نحو 20% من إمدادات الطاقة في السوق الدولية، بالإضافة إلى المنتجات البتروكيماوية الأخرى المهمة وعلى رأسها اليوريا، والبوليميرات، والميثانول، والأمونيا. وفي أعقاب أكبر انقطاع في إمدادات النفط، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت «المعيار العالمي لأسعار النفط الخام» ارتفاعاً كبيراً، لتصل إلى ذروتها عند أكثر من 60% فوق مستويات ما قبل النزاع في شهر فبراير، وبعد الوقف المؤقت للأعمال القتالية في أواخر إبريل، انخفضت الأسعار قليلاً، ولكنها عادت للارتفاع بعد عودة الضربات المتبادلة في شهر يوليو.
لقد ظلت أسعار بعض المنتجات النفطية مرتفعة، مثل: وقود الطائرات وغاز النفط المسال. ولا تزال أسواق النفط الخام تعاني نقصاً حاداً في الإمدادات، ولاسيما أن جميع إمدادات النفط في دول العالم الأخرى لا يمكنها سد النقص من جراء توقف نفط الخليج بسبب إغلاق مضيق هرمز. وقد ارتفع سعر خام برنت، من 72.48 دولار للبرميل في 28 فبراير 2026 إلى 96.78 دولار للبرميل في 25 يوليو 2026، وهذا السعر مرشح للزيادة في ظل استمرار الحرب بأشكال متعددة، وقد تتخذ الأسعار اتجاهاً تصاعدياً خطراً جداً في حال نفذت الولايات المتحدة غزواً برياً لإيران، بعد أن وصلت الحرب الجوية إلى طريق مسدود من جراء نفاد بنك الأهداف.
وقد ذكرت بيانات دولية أن دول الخليج صدرت 3.3 مليون برميل يومياً من المنتجات النفطية المكررة و1.5 مليون برميل يومياً من غاز البترول المسال في عام 2025. وقد توقفت طاقة تكرير تبلغ نحو 3 ملايين برميل يومياً في المنطقة نتيجة للهجمات ونقص منافذ التصدير. كما قلّصت مصافي التكرير خارج المنطقة من عملياتها بسبب مخاوف بشأن انقطاع النفط الخام.
كما اضطرت الشركات المنتجة للبتروكيماويات إلى رفع الأسعار لتعويض الخسائر التي تعرضت لها. وأدت الحرب أيضاً إلى انخفاض إمدادات الغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج بأكثر من 300 مليون متر مكعب يومياً منذ الأول من مارس الماضي، فقد توقف مصنع رأس لفان في قطر عن العمل، وهو أكبر منشأة لتسييل الغاز في العالم، كما تأثر إنتاج الغاز الإقليمي بإغلاق حقول النفط، مما أدى إلى انخفاض إنتاج الغاز المرتبط بإنتاج النفط. وقد ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في مارس، ولا تزال أعلى بكثير من مستوياتها في العام الماضي.
وتسعى الدول المستهلكة إلى تعويض النقص لديها من خلال شراء الغاز من دول منتجة أخرى، لكن بما أن النفط والغاز هما من المواد الاستراتيجية فإن الدول المنتجة لا تبيعهما إلا وفق عقود واتفاقيات، ولعل أكبر الخاسرين من جراء ما يحدث هي دول الاتحاد الأوروبي التي تعصف بها أزمة طاقة جراء توقف الإمدادات الروسية من الغاز عبر خط «نورد ستريم 1» في 31 أغسطس 2022.
ورغم أن الولايات المتحدة أعلنت استعدادها لتزويد القارة الأوروبية بالغاز الطبيعي المسال، بيد أن قدرتها على توفير الغاز محدودة ولا تسدّ كل حاجة أوروبا. وتبدو ألمانيا أكبر الخاسرين وتعاني أزمة طاقة حقيقية بعد توقف إمدادات الغاز من قطر من جراء أزمة الشرق الأوسط، وكانت شركة قطر للطاقة وشركة كونوكو فيليبس متعددة الجنسية قد وقعتا في نوفمبر 2022، اتفاقيتي بيع وشراء لتصدير مليوني طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً إلى ألمانيا لمدة 15 عاماً على الأقل اعتباراً من عام 2026. وقد تزايدت مخاوف الحكومة الألمانية من حدوث عجز في كمية الغاز الطبيعي اللازمة لضمان تدفئة المنازل خلال الشتاء القادم وضمان استمرار الإنتاج في القطاعات الاقتصادية التي تستهلك الغاز الطبيعي.
ومؤخراً، حذرت شركات تشغيل منشآت تخزين الغاز في ألمانيا من احتمال مواجهة صعوبات في إمدادات الغاز، وقال اتحاد «مبادرة تخزين الطاقة»، إن ارتفاع أسعار الغاز وتغير ظروف السوق نتيجة حرب الشرق الأوسط، يسببان حالياً «حالة كبيرة من عدم اليقين». وأوضح الاتحاد، أن أسعار الغاز المرتفعة أدت خلال الأشهر الماضية إلى تخزين كميات أقل من المعتاد، مشيراً إلى أن مرافق تخزين الغاز في ألمانيا كانت ممتلئة بنسبة 26% فقط في الأول من مايو الماضي.
وقد اجتمع رؤساء وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد الدولي، ومجموعة البنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية في 7 يوليو، لتعزيز استجابة مؤسساتهم لتداعيات الحرب في الشرق الأوسط على قطاعات الطاقة والتجارة والاقتصاد. ويبدو أن هذه المؤسسات الدولية وغيرها ستكون عاجزة عن وقف صعود أسعار الطاقة، ولاسيما إذا استمرت هذه الحرب وتحولت إلى صراع مفتوح حتى آخر مدى.
