الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الإلمام بالتقنيات الحديثة ضرورة للحوكمة

9 أغسطس 2026 21:02 مساء | آخر تحديث: 9 أغسطس 21:05 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
قيس الزريبي
عندما بادرت الإمارات إلى تعيين أول وزير للذكاء الاصطناعي في العالم عام 2017، بدا جلياً من تلك الخطوة أن الدولة تطمح إلى جعل التقنيات الناشئة محوراً رئيسياً في مستقبل تنميتها الاقتصادية. وقد تعززت هذه الرؤية بشكل أكبر من خلال «ميثاق تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي في الإمارات»، والذي يؤكد ضرورة الرقابة البشرية وأولويات السلامة والشفافية، مع توفير إطار عملي لاعتماد الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول. ومن خلال الجمع بين الابتكار والحوكمة، أرست الإمارات نموذجاً عالمياً يُحتذى في كيفية استعداد الدول لاغتنام فرص الذكاء الاصطناعي ومواجهة تحدياته.
ويعكس إدراج «الوعي والتعليم في مجال الذكاء الاصطناعي» كركيزة أساسية في الميثاق، إلى جانب المساءلة والشفافية، تحولاً في مفهوم الإلمام بالذكاء الاصطناعي، بحيث لم يعد يُنظر إليه بوصفه مسؤولية تقليدية تقع على عاتق إدارات الموارد البشرية، بل باعتباره وظيفة أساسية من وظائف الحوكمة والامتثال. وينطوي ذلك على دلالات مهمة للشركات العاملة في الدولة؛ إذ إن المؤسسات التي تدمج المتطلبات التنظيمية في أنظمتها وعملياتها وبرامجها الخاصة بالقوى العاملة منذ البداية، بدلاً من تكييفها لاحقاً، تستطيع تحقيق مزايا تنافسية ملموسة من خلال الحد من المخاطر وتسخير الابتكار بصورة أكثر فاعلية. ومن خلال ذلك، يمكنها المساهمة في ضمان بقاء أنظمة الذكاء الاصطناعي المؤسسية قابلة للتفسير وشاملة ومتمحورة حول الإنسان، مع مواءمتها للمعايير التنظيمية والأخلاقية المتطورة، وتعزيز الثقة لدى مختلف أصحاب المصلحة.
في المقابل، قد تكون الشركات التي لا تزال تتعامل مع تطوير مهارات الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد مبادرة للتعلّم والتطوير، لا تُقدّر بدقة وتيرة التغيير واتجاه التحولات التنظيمية. وفي دولة الإمارات، يُعد تعليم الذكاء الاصطناعي أولوية وطنية مُدمجة في المدارس والجهات الحكومية وقطاعات الأعمال. وقد أصبح الذكاء الاصطناعي مادة إلزامية في المناهج الدراسية للمدارس الحكومية، في حين تسهم مبادرات منظمة في توسيع نطاق الوصول إلى مهارات الذكاء الاصطناعي عبر القطاعين العام والخاص. علاوةً على ذلك، تواجه القطاعات الخاضعة للتنظيم، مثل الخدمات المالية والرعاية الصحية والاتصالات، توقعات أكثر وضوحاً وتحديداً في ما يتعلق بالإلمام بالذكاء الاصطناعي وجاهزية القوى العاملة.
وترتبط هذه الجهود ارتباطاً مباشراً بأهداف التوطين والتنمية الاقتصادية الأوسع نطاقاً، بما في ذلك طموح دولة الإمارات إلى زيادة مساهمة الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير بحلول عام 2031. فمن خلال توسيع نطاق الوصول إلى قدرات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز الإلمام به على مستوى المجتمع، تؤكد الإمارات أن جاهزية القوى العاملة باتت تشكّل عاملاً حاسماً لتعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية، وبالتالي أصبحت مطلباً أساسياً لاستمرار نمو الأعمال.
إنّ اعتبار الإلمام بالذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة يُغيّر أولويات الشركات؛ إذ يصبح هذا الاعتبار عامل تمييز استراتيجي، مُحوِّلاً التركيز من مجرد نشر التكنولوجيا إلى تنمية القدرات البشرية اللازمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي بفاعلية ومسؤولية. ومع وضع تنمية المواهب في صميم أجندة الذكاء الاصطناعي، تسهم الإمارات في ضمان بقاء الابتكار مستداماً ومتوافقاً مع الأولويات الوطنية طويلة الأجل.
يُسلّط نهج الإمارات الضوء كذلك على أهمية دمج الإلمام بالذكاء الاصطناعي في صميم حوكمة الشركات. وتؤكد مبادرات مثل برنامج خبراء الإمارات «مسار الذكاء الاصطناعي» على التطبيق العملي والنتائج الواقعية، لا على المعرفة التقنية وحدها. فالغاية من هذا البرنامج لا تقتصر على إنتاج متخصصين في الذكاء الاصطناعي، وإنما على إعداد قادة قادرين على ربط الذكاء الاصطناعي باستراتيجيات الأعمال وأهداف السياسات والأثر المجتمعي. وهذا يشجع ثقافة المسؤولية المشتركة، حيث تتجاوز حوكمة الذكاء الاصطناعي فرق الامتثال، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من ثقافة المؤسسة.
وبهذا الشكل، يصبح الإلمام بالذكاء الاصطناعي أساساً متيناً للمرونة المؤسسية. فمن خلال ربط تطوير القوى العاملة بهياكل الحوكمة وإدارة المخاطر والامتثال، تستطيع المؤسسات اعتماد التقنيات الجديدة بثقة أكبر مع الحفاظ على الضمانات المناسبة. كما يهيئ ذلك الظروف اللازمة للابتكار المستدام من خلال ضمان فهم الموظفين ليس فقط لكيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً متى وأين ولماذا ينبغي استخدامها.
وفي ضوء الرؤية الاستشرافية لدولة الإمارات، يُعد بناء هذه القدرات البشرية أحد أهم الاستثمارات التي يمكن لأي مؤسسة القيام بها. ولتحقيق القيمة الكاملة من هذا الاستثمار، يتعين على الشركات ترسيخ ثقافة التعلم المستمر لضمان مواكبة مهارات القوى العاملة لأحدث تطورات تقنيات الذكاء الاصطناعي والمتطلبات التنظيمية. ومن دون هذا التطوير المستمر، قد تتسع الفجوة بين تبني التكنولوجيا وجاهزية القوى العاملة، ما يزيد من المخاطر المؤسسية ويحد من القيمة التي يمكن تحقيقها من استثمارات الذكاء الاصطناعي. وقد يؤدي ذلك أيضاً إلى ظهور شريحة متنامية من «المستخدمين الصامتين»، وهم موظفون يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي دون توجيه واضح أو أطر حوكمة معتمدة أو فهم دقيق للمخاطر المرتبطة بها.
في نهاية المطاف، يقدّم النهج الإماراتي نموذجاً يُحتذى للدول والمؤسسات على حد سواء؛ فالقدرة التنافسية على المدى الطويل لا تتحقق فقط من خلال الوصول إلى التكنولوجيا، بل من خلال القدرة على تنمية القدرات البشرية اللازمة لتوظيفها بمسؤولية وعلى نطاق واسع. ومن خلال مواءمة التعليم وتطوير القوى العاملة والحوكمة والابتكار ضمن إطار وطني موحد، تُظهر دولة الإمارات كيف يمكن للإلمام بالذكاء الاصطناعي أن يصبح محفزاً للنمو الاقتصادي والتحول المستدام في آنٍ معاً.
* المدير العام لشركة «كورسيرا» في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة