سؤال مازال محلّقاً في فضاء قارات العالم القديم: هل يمكن أن يصنع مجتمع نهضة حضارية شاملة دون ثقافة حديثة؟
لعميد القصة القصيرة يوسف إدريس مقال شهير نشره في الثمانينيات بعنوان: «أهمية أن نتثقف يا ناس»، يقول فيه: «الثقافة ليست مجرد تحصيل معلومات، بل هي أساساً جزء مكمل بالضرورة للتعليم، فتعليم بلا ثقافة لا يتعدى خلق كائنات ميكانيكية لا تجيد إلا صنعة أو حرفة، حتى هذه الحرف دون عقل يحتوي الحد الأدنى من الثقافة يصبح صاحبها عاملاً معوّقاً في نفس صميم حرفته أو صنعته».
إذن، الثقافة ليست مجرد حصول على شهادات، هي النسيج الشامل الذي يضم الأفكار، والمعتقدات، والقيم، والعادات، والتقاليد، والفنون، وأنماط السلوك التي يكتسبها الإنسان، وهي تعبر عن طريقة حياة الجماعة وهويتها وتاريخها وتنتقل عبر الأجيال بالتعلم. أي هي رؤية للحياة وقرارات مستندة إلى تدريب العقل على الاختيار في عمله وحياته الخاصة.
وكلما كانت منتمية لعصرها، كانت فرصة النهضة عظيمة.
وإذا أخذنا أوروبا الحديثة تجربة إنسانية في كيفية الخروج من مستنقع القرون الوسطي إلى شمس التقدم، بغض النظر عن أن غناها قد بُني أيضاً على نهب ثروات الدول الضعيفة، نجد أنها عملت على صناعة ثقافة مختلفة، شكلت تياراً رافضاً للقيم القديمة والمثل الاجتماعية والسياسية التي كانت مسيطرة على تصرفات أهلها.
كان مستحيلاً أن تطل أوروبا على العصر الحديث دون بناء «ثقافة جديدة»، وطبعاً هي أسست جزءاً غير قليل من هذه الثقافة على المنتجات المعرفية للحضارة الإسلامية التي راح فيروس التآكل يضربها بشدة، وانهارت تماماً حين استبدلت ب«ثقافة العقل والنقد» ثقافة النقل والتلقين.
كان واضحاً في بناء ثقافة أوروبا الجديدة أنها مناهضة لسيطرة الكنيسة التي فرضت التخلف عليها، ولم تكن الثقافة الجديدة معادية للدّين مطلقاً، بل كانت معادية لسطوة رجال الدين مادياً ومعنوياً ودورهم في حياة الناس، الدور الذي يبث قيم التخلف، والتشدد في إبقاء الأوضاع على ماهي عليه.
والثقافة هي الروح والجانب المعنوي للمجتمع، بينما الحضارة هي الجسد والمظهر المادي والتنظيمي له.
باختصار.. الثقافة هي فتحة النافذة التي يرى منها العقل الحياة، إما واسعة شاملة أو ضيقة محدودة. وهو ما يصنع الفارق الحضاري بين مجتمع وآخر.
