الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عبيد الطابور.. رجلٌ حمل الأمانة

5 أغسطس 2026 21:22 مساء | آخر تحديث: 5 أغسطس 21:24 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
إن كنت في رأس الخيمة وقلت: «أستاذ عبيد»، فلن يسألك أحد: أي عبيد تقصد؟ فالجميع يعرف أنك تتحدث عن الأستاذ عبيد الطابور، ناظر مدرسة رأس الخيمة الثانوية، الذي ارتبط اسمه بأجيال متعاقبة من أبناء الإمارة، وقضى سنوات طويلة في مهنة لم ينظر إليها يوماً كوظيفة، بل كرسالة ومسؤولية.
تحت يديه تخرج آلاف الطلبة، وبحكم كونه من أبناء المنطقة، كان يعرفنا بأسمائنا، ويعرف آباءنا، ومهنهم، ومناطق سكنهم. لم يكن ينتظر النتائج ليحكم على الطالب، كان يقرأ ملامحه وسلوكه منذ الأيام الأولى، فيميز المجتهد من خطواته، ويكشف المشاغب قبل أن يبدأ يومه، ويعرف خيوط أي مشكلة قبل أن تتسع داخل الصفوف.
كان صباحه يبدأ عند بوابة المدرسة، حيث يراقب دخول الطلبة بدقة. ومن يتأخر عن الطابور الصباحي كان يعرف أن بانتظاره «نصيبه» من العصا، ضربتان خفيفتان قد تزدادان مع زيادة التأخير. كنا نتعامل مع ذلك وكأنه جزء من روتين الصباح، لا كعقوبة، بل كرمز لانضباط كان سمة ذلك الزمن.
وكانت عبارة «الناظر يباك» كفيلة بأن تبث الخوف في القلب. والأسوأ أن تجد والدك جالساً في مكتب الناظر بعد اتصال من المدرسة. لم يكن يهم إن كان الأب بحاراً أو مزارعاً أو تاجراً؛ فالمسألة كانت محسومة: كلمة المدرسة لا تُناقش، والمعلم شريك أساسي في تربية الأبناء قبل تعليمهم.
ولا يغيب عن ذاكرتي ذلك اليوم الذي استدعاني فيه الأستاذ عبيد مع أحد زملائي. سرنا خلف الفرّاش نحاول أن نلتقط أي إشارة عن مصيرنا: هل أبوانا في الداخل أم لا؟ لكنه ظل صامتاً حتى قبل أن يفتح الباب، ثم قال: «قبل شوي كانوا عنده ثلاثة مدرسين، ولما طلعوا قال لي: نادي هالملاعين، وهات العصا».
تبادلنا النظرات وقد تسلل الخوف إلى قلوبنا. قلت للفراش محاولاً التماسك: «إذا الضرب، أمرنا لله، لكن إذا آباؤنا موجودين فالمشكلة ما راح تخلص في المدرسة».
دخلنا المكتب، فلم نجد سوى الأستاذ عبيد واقفاً والعصا في يده. تنفسنا بارتياح لحظة رؤيته وحده. اقترب مني، وكان نصيبي خمس ضربات، ثم التفت إلى زميلي قائلاً: «أنت عشر ضربات».
لم يتمالك زميلي نفسه وسأل ببراءة ممزوجة بالدهشة: «ليش أنا عشر وهو خمس؟».
ابتسم الأستاذ عبيد ابتسامة لا تُنسى، وقال:«هذا شقي... لكن درجاته زينة. أما أنت، فشقي ودرجاتك كلها تعبانة... يعني شقي وغبي، عرفت ليش؟».
في ذلك الوقت، كان كثير من أولياء الأمور لم ينالوا حظاً من التعليم، فكانت المدرسة بالنسبة لهم الأمل الوحيد لمستقبل أبنائهم. لذلك اكتسب المعلم مكانة اجتماعية رفيعة، فكيف إذا كان ناظر أكبر مدرسة ثانوية في رأس الخيمة، ومن أوائل من تلقوا تعليمهم خارج الدولة ثم عادوا ليشاركوا في بناء جيلها الأول المتعلم؟
رحل «أستاذ عبيد» ورحل ذلك الزمن بما له وما عليه، لكن بقي أثر رجاله حاضراً في الذاكرة. وسيظل الأستاذ عبيد الطابور جزءاً من ذاكرة أبناء رأس الخيمة، لأنه حمل أمانة كبيرة في مرحلة تأسيسية من تاريخ الدولة، وأداها بإخلاص، مؤمناً بأن بناء الإنسان هو أسمى ما يمكن أن يكرّس له الإنسان حياته.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة