أحياناً لا تحلّق أسئلة الافتراضات بالعقل إلى فضاء الخيال فحسب، بل تدفعه أيضاً إلى تفكيك الواقع وإعادة تركيبه، ومن هذا النوع من الأسئلة خطر لي سؤالان: ماذا لو عاد طه حسين أو عبد الرحمن بدوي أو ساطع الحصري أو فرح أنطون إلى الحياة اليوم؟ ماذا سيقولون عن الأحوال الثقافية والمعارك الفكرية في العالم العربي؟
صحيح أن العالم العربي مازال مختلفاً إلى حد الثمالة حول الدين والهوية والحداثة والأصالة والمعاصرة والعلمانية وتجديد التراث، وهي قضايا شغلت مفكري النهضة منذ منتصف القرن التاسع عشر، والمفارقة المؤلمة أن أمماً كثيرة حسمت مثل هذه الأسئلة، أو على الأقل انتهت إلى توافقات عليها، ثم راحت تبني وتنتج وتتقدم، بينما بقينا نحن نعيد طرح الأسئلة ذاتها جيلاً بعد جيل، دون إجابات تأخذ أمتنا إلى مصافّ العالم الأول حضارياً، وهي مكانة تستحقها فعلاً.
نحن متمدينون، لكن الحضارة غير التمدين، الحضارة لا تعني استخدام منتجات العصر وتقنياته، بل القدرة على إنتاج المعرفة والأفكار والسلع والخدمات التي تصنع العصر نفسه، أما التمدين فهو الاكتفاء باستهلاك منجزات الآخرين دون مشاركة حقيقية في صناعتها.
المدهش أن كبار المفكرين العرب في القرن العشرين، من طه حسين والعقاد وطاهر الحداد وساطع الحصري ومالك بن نبي وعابد الجابري وإلياس مرقص كانوا يدخلون سجالات فكرية، تتيح للجمهور حصيلة من الأفكار والمعلومات والتفسيرات العميقة، التي تساعدهم على فهم مجتمعاتهم وأنفسهم والعالم من حولهم.
كانت المعارك الفكرية آنذاك تدور حول أسئلة حقيقية: ما دور الدين في النهضة؟ هل التراث مصدر قوة أم عبء؟ كيف نعيش العصر الحديث دون أن نفقد هويتنا؟ ما الدولة؟ ما الطبقة الاجتماعية؟ وما معنى التبعية والتنمية والثورة؟
كانوا يحاولون بناء نظرية عربية لفهم المجتمع والتاريخ. اليوم، ومع استمرار معظم الأسئلة نفسها وأن اتخذت صيغاً أخرى، تحول كثير من السجالات الفكرية إلى مشاحنات، تراجعت قيمة الحجة، وحلّت الاتهامات وثقافة الاغتيال المعنوي لكل من يجرؤ على تبني رأي مخالف.
وزادت المنصات الرقمية من حدة الظاهرة، فهي ساحة حرة للتشهير والتحريض والاستقطاب.
وقد نتج عن هذا التحول ظاهرة شديدة الخطورة وهي انسحاب كثير من أصحاب الفكر الحقيقي من الفضاء العام، تاركين الساحة لمن يجيدون الصراخ أكثر مما يجيدون التفكير.
والأمة في حاجة دائمة إلى أفكار جديدة ومفاهيم مبتكرة تأخذها إلى الأمام.
