الحرب الدائرة الآن، بأهدافها السياسية وماهيتها، أقرب إلى نموذج الحرب الكونية، فالولايات المتحدة القوة الأحادية تسعى لتثبيت هيمنتها ونفوذها العالمي، وإيران الدولة الإقليمية الصاعدة تسعى للتمدّد وبسط النفوذ. ومن ناحية أخرى إسرائيل تسعى لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى بمنع بروز أيّ قوة في المنطقة، والسيطرة على أراض جديدة. ومن ناحية دول الخليج العربى، وهي المستهدفة من الحرب وتدفع ثمن تداعياتها، هذه الدول لم تعُد دولاً صغيرة، وليست تابعة، بل دول لها حضورها، وتأثيرها، وقدرتها على الردع وحماية أمنها. ولم تقتصرالحرب عليها فقط، بل المستهدف الرئيسي المنطقة العربية، وإلغاء مسألة الأمن العربي، وتفكيك المنطقة إلى دويلات وكيانات طائفية.
إذن، نحن أمام أنموذج للحرب لم يسبق للمنطقة أن شهدته، فهي حرب بلا أهداف واضحة، ولها تداعيات كارثية ومتغيّرة، ما يجعلها تتأرجح بين الحرب المحدودة والحرب الشاملة، وانعكس ذلك على مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها، والتي وصفتها صحيفة نيويورك تايمز بمذكرة سوء التفاهم. هذه الحرب، وعلى الرغم من قوة الولايات المتحدة، لم تحقق الهدف منها، والفشل سببه أولاً عوامل تتعلق بالولايات المتحدة نفسها، وأبرز هذه العوامل شخصية الرئيس ترامب نفسه، فضلاً عن حالة الارتباك التي تحيط بإدارته. وكما قال المفكر مارك توين، إن التاريخ لا يتكرّر، بل يتشابه. فالرئيس ترامب لم يستفد من خبرة من سبقه من رؤساء، حيث يعتقد أن أمريكا تملك من القوة التي لا تقارن بأي قوة أخرى، وأنها قادرة على تدمير أي دولة، واستبدالها بأخرى، أو خنقها على غرار تجربة اليابان وألمانيا. وكما يقول حسين بنائي، الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية في جامعة إنديانا، إن الرئيس ترامب فشل في كل شيء، وإن الحرب فرضت واقعاً سياسياً جديداً لم تعرفه أمريكا، ومشكلة الولايات المتحدة أنها تحارب نيابة عن إسرائيل، وإشكالية أمريكا أنها تملك القوة، ولكن لا يعني ذلك حسن توظيفها، إذ اعتمدت على القوة العسكرية المفرطة، وتراجع اهتمامها بالدبلوماسية الوقائية، وحلّ مشكلات المنطقة، وأبرزها القضية الفلسطينية، وعلى أهمية القوة العسكرية، فإن المشكلة في جعلها الأداة الأولى وتجاهل قضايا المنطقة وحلّها، والاعتقاد أنه بالقوة العسكرية تُحل كل القضايا. ومن مظاهر الفشل أيضاً، أنها تجاهلت أن دول المنطقة طرف مباشر مستهدف من قبل إيران. وفي المقابل، فإن إيران وعلى الرغم من تداعيات الحرب، وما ألحقته من دمار وتأثير في قدراتها، العسكرية والاقتصادية، ما زالت تتمسك بمبدأ غرور القوة، والنزعات العقيدية والتاريخية القديمة. نظام منغلق على نفسه لا يقبل الإصلاح والنقد الذاتي، وتحكمه عقدة الإمبراطورية، وليست الدولة، وكما قال هنري كيسنجر في كتابه «النظام العالمي»، إن بلاد فارس تاريخياً، لم تر نفسها مجرّد دولة، بل مركزاً للإنجاز الإنساني، وكان ملكها يلقب بشاهنشاه، أي ملك الملوك. وتحكم إيران النزعة القومية الفارسية الاستعلائية، والنظر لدول المنطقة على أنها دول هامشية، وهذا واضح من خلال إصرارها على تسمية الخليج بالخليج الفارسي، وإصرارها أيضاً على التحكم، والسيطرة على مضيق هرمز. ومن ملامح الفشل السياسي عدم التوافق والتكامل بين مؤسسات النظام السياسي وهيمنة وسيطرة الحرس الثوري، وفرض العقلية العسكرية، خصوصاً بعد مقتل المرشد علي خامنئي، وتراجع دور التيار الإصلاحي. ويرى قادة الحرس الثوري أن المؤسسة الدينية مجرّد غطاء سياسي، وأداة بيروقراطية لا تصلح لإدارة الدولة، لأن القوة العسكرية هي الأساس لبناء إيران الجديدة، وهذه النخبة الجديدة توظف الحصار والعقوبات لمصلحتها لفرض سيطرتها.
إن مشكلة إيران هي التأرجح بين النزعات القديمة والحلم الإمبراطوري، وحالة الثورة، ومعاناة بيئتها الاجتماعية من تعدّد الأقليات، والنزعة الاحتجاجية، وغلبة النزعة الفارسية على الجميع. فالنظام الإيراني يشهد صراعاً بين أجنحة السلطة، وقد يتطور إلى صراع مفتوح يدور حول النفوذ، والمصالح السياسية والاقتصادية. ويجمع بينها العداء لأمريكا وإسرائيل، وتبنّي الشعارات التي تمنحها الشرعية. وهنا السؤال: من يتخذ القرار بعد مقتل المرشد؟ ففي عهده كان قادراً على تحقيق التوازن بين مؤسسات النظام. وفي هذا السياق، فإن نقطة الضعف تتمثل في عملية صنع القرار، وهي التي تفسر لنا حالة الفشل السياسي. فإيران تحكمها عقلية عسكرية غير معنية بالمتغيّرات والتحولات في بيئة القوة التي تشهدها المنطقة. ولعل من أبرز نقاط الضعف التي تعانيها إيران عدم الثقة بقراراتها وسياساتها منذ تبنّي مبدأ تصدير الثورة، والحرب مع العراق، والحرب اليوم، واستهداف دول الخليج العربي، والأردن، على الرغم من معارضتها للحرب، ودعوتها دائماً إلى الحوار السياسي. وهذه السياسات جعلت من إيران غير مقبولة في محيطها، وزرعت الخوف، وعدم الثقة، وعدم الاستقرار. وكما يقول الخبير في الشأن الإيراني كريم سجادبور، من مؤسسة كارنيغي للسلام: إيران تحولت إلى نظام أشبه بالعصابات، فهي ترى أن التنازلات تنتزع بالإكراه من خلال مهاجمة الجيران، وتهديد مضيق هرمز، ورفع أسعار النفط. ويبقى أخيراً السؤال: كيف ستتعامل دول المنطقة مع هذا الفشل السياسي؟.
