ميثاء أحمد البسطي
عندما كنت طفلة، كان لليوم موعد مقدس. ما إن يؤذن للعصر حتى أهرع إلى باحة المنزل، صيفاً أكان أم شتاء، فألعب حتى يوشك المغرب أن يحل. لم يكن يعنيني حر الصيف ولا برد الشتاء، كان يكفيني أن الباحة في انتظاري، وأن الساعات التي تفصل بين العصر والمغرب لي وحدي، أملؤها ركضاً ولعباً وضحكاً.
ولم أكن أدري حينها أنني لا ألعب فحسب؛ بل كنت أتعلم. أتعلم كيف أتفق مع رفاقي وكيف أختلف معهم ثم أصالحهم، وكيف أصنع لعبة من لا شيء، وكيف أنتظر دوري، وأربح، وأخسر، ثم أعود في اليوم التالي وكأن شيئاً لم يكن. كانت تلك الباحة الصغيرة مدرسة بلا جدران، وكان ذلك الوقت القصير أغنى ساعات يومي، وأبقاها في الذاكرة.
وكان لتلك الساعة إيقاعها الخاص. تبدأ حين تلين الشمس ويخف وهج النهار، وتنتهي مع أذان المغرب، فنعود مسرعين إلى بيوتنا. هكذا تعلمنا أن نقرأ الوقت من السماء لا من الشاشة، وأن يرتبط اللعب بمواقيت اليوم، لا بالإشعارات والتنبيهات.
لكن هذا المشهد أصبح اليوم نادراً. كثير من أطفالنا يقضون عصرهم خلف أبواب مغلقة، وبين أيديهم شاشات تضيء وحدها، بلا رفيق يركضون معه، ولا ساحة تجمعهم. ولا ألومهم، ولا ألوم أهلهم، فالحياة تغيرت، والبنايات ارتفعت، حتى صار الجار لا يعرف جاره. لكن حاجة الطفل إلى اللعب مع أقرانه لم تتغير، ولن تتغير.
وربما لا يحتاج الأمر إلى مشاريع كبيرة أو خطط معقدة. يكفي أن يتفق أهالي الحي، أو سكان البناية الواحدة، على ساعة يجتمع فيها الأطفال بين العصر والمغرب، في ساحة أو حديقة أو فناء مشترك، ليلعبوا كما لعبنا. لا يحتاج الأمر إلا إلى قرار بسيط: أن نفتح الباب، وننادي الأطفال.
وحين نفعل ذلك، فإننا لا نهديهم ساعة من اللعب فقط؛ بل نهديهم صداقات حقيقية، وذكريات تدوم، وثقة بالنفس، وقدرة على التعاون، وإحساساً بأنهم ينتمون إلى مكان وإلى جماعة. ونمنح الحي أيضاً شيئاً افتقده منذ زمن: الحياة.
سيكبر أطفالنا أسرع مما نتخيل، وستختفي ألعابهم كما اختفت ألعابنا. لكن ما سيبقى في ذاكرتهم ليس اللعبة التي حملوها؛ بل الوجوه التي لعبت معهم، والضحكات التي ملأت ذلك الوقت القصير بين العصر والمغرب. وربما تكون تلك الساعة البسيطة من أثمن ما يمكن أن نهديه لطفل، لأنها لا تصنع له يوماً جميلا فحسب؛ بل تصنع له طفولة يتذكرها طوال عمره.
