لم تعد الأزمة اليمنية قابلة للقراءة من زاوية عسكرية منفردة. فبعد سنوات من الصراع، أصبح المشهد أكثر تعقيداً، تتداخل فيه تطورات الداخل اليمني مع أمن الخليج والبحر الأحمر، وتتقاطع الاعتبارات السياسية والاقتصادية والإنسانية مع مصالح إقليمية ودولية. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس متى تنتهي جولة التصعيد، بل: إلى أي مسار يتجه اليمن؟
تجربة السنوات الماضية تشير إلى أن انخفاض مستوى المواجهات لا يعني بالضرورة الاقتراب من سلام مستدام. فالتهدئة قد تمنح الأطراف فرصة للحوار، لكنها قد تتحول أيضاً إلى مرحلة لإعادة ترتيب الأوراق إذا لم يصاحبها تقدم سياسي يعالج أسباب الأزمة، وفي قلب هذه المعادلة تقف جماعة الحوثي، التي اعتمدت على القوة المسلحة والسيطرة على الأرض في ترسيخ نفوذها. ومن منظور إدارة الأزمات، تكشف التجربة أن ذلك لا يكفي لبناء شرعية مؤسسية، فالدولة تُقاس بقدرتها على حماية المدنيين، وإدارة الاقتصاد، وتوفير الخدمات، والخضوع للمساءلة.
ولا يمكن فصل الداخل اليمني عن محيطه. فموقع اليمن المطل على البحر الأحمر وباب المندب يجعل تداعيات أي اضطراب أمني تتجاوز حدوده سريعاً. وحين تدخل الملاحة والموانئ والسفن التجارية في دائرة المواجهة، تتحول الأزمة من صراع داخلي إلى مصدر خطر على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة. ومن هنا يمكن قراءة مستقبل الأزمة من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
السيناريو الأول: عودة المواجهة الواسعة
يفترض هذا المسار تراجع التهدئة واتساع العمليات العسكرية على أكثر من جبهة، بالتزامن مع تصاعد التوتر في البحر الأحمر. وهو السيناريو الأعلى كلفة، لأنه سيضاعف الضغوط الإنسانية والاقتصادية، وقد يقود إلى مزيد من تدويل الأزمة إذا تعرضت الملاحة والمصالح الدولية للخطر. ومع ذلك، فإن ارتفاع كلفة الحرب قد يجعل هذا المسار أقل جاذبية، وإن ظل احتماله قائماً.
السيناريو الثاني: استمرار حالة اللاحرب واللاسلم
وهو السيناريو الأكثر قابلية للاستمرار في المدى المنظور، فلا حرب شاملة تحسم الصراع، ولا تسوية سياسية تنهيه، وإنما موجات متفاوتة من التصعيد والتهدئة، تستخدم خلالها أدوات الضغط العسكرية والسياسية والاقتصادية لتحسين المواقع التفاوضية. وتكمن خطورة هذا السيناريو في أنه يحول الأزمة من حالة استثنائية إلى واقع مزمن. ومع مرور الوقت قد تتكيف الأطراف مع استمراره، بينما يتحمل المواطن اليمني الكلفة الأكبر في الاقتصاد والخدمات وفرص التنمية. وفي إدارة الأزمات، قد يكون الاستنزاف الطويل أكثر خطورة من الانفجار القصير، لأنه يضعف المؤسسات والمجتمعات تدريجياً ويجعل الأزمة جزءاً من الحياة اليومية.
السيناريو الثالث: الانتقال التدريجي إلى تسوية سياسية
وهو المسار الأفضل لليمن والمنطقة، لكنه الأكثر تعقيداً. فالسلام يحتاج إلى أكثر من وقف إطلاق النار، يحتاج إلى ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للاستمرار، وضمانات تحد من العودة إلى استخدام القوة لفرض الأمر الواقع، ومسار اقتصادي يعزز قدرة المؤسسات على أداء وظائفها، إلى جانب دعم إقليمي ودولي متماسك يحول دون تحويل اليمن ومياهه إلى ساحة للصراعات الإقليمية.
وبين السيناريوهات الثلاثة، ستتأثر النتيجة بعدة متغيرات، أبرزها قدرة الأطراف اليمنية على إدارة الخلافات، وتطورات البيئة الإقليمية، وفاعلية الجهود الدولية لدعم التسوية، وأمن البحر الأحمر، وقدرة المؤسسات اليمنية على تعزيز الخدمات والاستقرار. وهنا تبرز حقيقة تتجاوز الحسابات العسكرية، فالتحدي في مستقبل اليمن لا يقتصر على موازين القوة، بل يمتد إلى قدرة مؤسسات الدولة على تقديم نموذج يقوم على الاستقرار والخدمات والتنمية وسيادة القانون. فكل تقدم في هذه المجالات يعزز ثقة المواطن بالدولة ويضيّق المساحة التي تستفيد منها الجماعات المسلحة من استمرار الاضطراب.
ويحضر الاقتصاد في قلب هذه المعادلة، فتدهور الظروف المعيشية وتعطل النشاط الاقتصادي والخدمات يضاعف كلفة أي تصعيد ويجعل المواطن أول المتضررين. وفي المقابل، يمكن للملف الاقتصادي أن يصبح أحد مداخل بناء الثقة متى جرى التعامل معه باعتباره ضرورة للاستقرار وليس أداة في الصراع. وبالنسبة إلى دول الخليج، فإن المصلحة الاستراتيجية تتمثل في يمن مستقر وآمن، لا يشكل مصدر تهديد لجيرانه، ولا منصة لاستهداف الممرات البحرية، ولا ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية. ومن هنا تتكامل أولوية الحل السياسي مع دعم الاستقرار ومؤسسات الدولة وحماية أمن الملاحة.
ومن منظور إدارة الأزمات، يمكن للتسوية المستدامة أن تبدأ بخطوات عملية قابلة للقياس، كتسهيل حركة المدنيين، ودعم إجراءات تبادل الأسرى، وتحسين وصول الخدمات والمساعدات الإنسانية. فهذه الإجراءات تبني قدراً من الثقة، وتمنح المجتمع مصلحة مباشرة في استمرار التهدئة. ويبقى الخطر الأكبر على اليمن ليس اندلاع جولة جديدة من الحرب فحسب، وإنما اعتياد العالم على استمرار الأزمة. فعندما تصبح إدارة الصراع بديلاً عن حله، يمكن للمؤقت أن يتحول إلى دائم، ولهذا لا يحتاج اليمن إلى تهدئة تؤجل الحرب فقط، بل إلى مسار سياسي ومؤسسي يعزز الدولة والاستقرار، ويجعل العودة إلى دائرة الصراع أقل احتمالاً.
*دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر
