كثيراً ما نتذمّر. نكاد نؤمن بأن الحياة غير منصفة. والحقيقة التي نتهرّب منها هي أننا غير منصفين للحياة. غير منصفين لأنفسنا في كثير من الأحيان. غير منصفين للحياة بعدم جرأتنا على صعابها والعثرات؛ وفي ذلك تعطيل للكامن فينا من طاقات وقوة؛ وفي ذلك أيضا عدم إنصاف لأنفسنا.
داخل كل واحد منا قوة تنتظر ما ومن يستدعيها. من يستفزها. بعضنا يجهل وجود تلك القوة داخله. بعض آخر لا يريد لتلك القوة أن تهزمه بالخذلان فيعمد إلى ركنها جانباً. قوة قد لا تصمد أمام ما يتجاوزها. بعض ثالث لا يرى قوة فيه أساساً فيتركها في منفى لا دليل على نهايته؛ وكأنه يريد للصعاب والعثرات أن تجد حلولها بشكل آلي دون بذل أدنى جهد منه.
لن نكون منصفين ما لم نتفاعل ونحتكّ مع ما ومن حولنا. تفاعل ينتج عنه تحديد من نحن وماذا نريد من هذه الحياة، وما الشكل والقيمة التي نريدها لتلك الحياة. هل هي حياة تشبهنا أم تشبه آخرين؟ تشبهنا بمعنى مسؤوليتنا عن تفاصيلها وما نريد لها أن تكون. وتشبه غيرنا بالنظر إلى ما في أيديهم ونريده أن يكون لنا.
ثم إننا لن نتمكّن من إنصاف الحياة ما لم نكن منصفين لأنفسنا. أن نعرف من نحن أولاً؛ وماذا نريد من هذه الحياة؟ وهل نطارد هذه الحياة كي نحقق من خلالها ما يشبع رغباتنا و«الأنا» المُكلفة؛ أم نتخذ كل ذلك وسيلة لتحسين حياتنا وحيوات من هم حولنا، من نشاركهم حصة في تلك الحياة؛ وفي ذلك أروع صور الإنصاف الذي نحن بصدده.
لا أحد يذهب إلى الحياة باشتراطاته ويطمئن واثقاً من أنها ستكون رهن إشارته. فإذا كانت الحياة لا تخلو من عُقد فلن نتمكن من حل تلك العُقد إلا باجتهادنا وبحثنا عن تلك الحلول. على كل واحد منا أن يكون بسيطاً أمام المركّب والمعقّد كي يستطيع تفكيك تلك العُقد. التشنّج.. التوتر.. التهويل.. كل ذلك لا يترك للعقل فسحة كي يؤدي دوره بحثاً عن مخارج وحلول؛ وفي ذلك ذروة التعسّف تجاه أنفسنا وبالطبع لن يكون فيه إنصاف للحياة التي نريد ونرجو وإليها نتطلّع. «الغرض الأساسي من حياتنا هو أن نكون سعداء» كأنّه بل هو الدلاي لاما من أفصح عن ذلك.
وأمام الخوف لا معنى ولا قيمة لنا ولا للحياة. لن يكون لإنصاف أي منا: نحن والحياة، أي معنى أيضاً فالخوف عمى وتيه في مفازات لها بدايات لكنها بلا نهايات. ولنستحضر هنا مقولة فرانك سيناترا «الدرس الكبير في الحياة يا عزيزي هو ألّا تخاف أبداً من أي شخص أو أي شيء».
