الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

كلام في ترك الأثر

6 أغسطس 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 6 أغسطس 00:02 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
يدرك كثيرون منا أن حياتنا مؤقتة. تسجيل دخول يعقبه تسجيل خروج (Check in، Check Out). هي إما الغفلة أو طول الأمل ما يجعلنا ننسى أننا لسنا خالدين. يبقى الأهم في الأمر مدى قدرتنا على مراكمة الأعمال التي تحقق لنا ذلك الخلود. ألّا نخرج من هذا العالم ونحن مدينون. الإنجاز أن نكون دائنين. هو الأثر الذي يكون عصيّاً على النسيان.
لا أحد يملك جرأة ادّعاء الكمال. وحدهم الواهمون، أو المرضى من يصل بهم الحال إلى تلك الدرجة من التفكير والقناعة.
حتى الأثر الذي نتركه وراءنا ونظنه صغيراً ربما يكون كبيراً ويترك بصماته على كثيرين، ربما يعمل على تحسين ظروف حياتهم. يمنحهم جرعة أمل يواجهون بها عصف الحياة وقسوتها. الاستهانة بالأثر هو ما يجعل بعض البشر يحجمون عن المبادرة. ثم من الذي يقرر أن هذا الأثر صغير؟ وبأي ميزان يقاس؟ الأثر الذي تظنه صغيراً قد يصنع أثراً كبيراً في حيوات كثيرين. قد ينتشلهم من الضيق إلى السعة، من الكآبة إلى الانشراح، من العوز إلى الاكتفاء، من اليأس إلى الأمل.
الغفلة وأحياناً التعالي هما ما يجعلان كثيرين على تماس مع الإحجام عن المبادرة والتعامي عن أهمية أن تكون فاعلاً ومؤثراً في محيطك، باذلاً دون سؤال، فطناً، قارئاً لاحتياجات من حولك. ثم إن الأثر الصغير الذي تبادر بتركه في أوساطهم، سيقودك إلى اجتراح الأثر الكبير حين ترى حجم التغيّر والتبدّل في ظروف من حولك. لا متعة تعادل متعة العطاء. تمنحك توازناً نفسياً وتصالحا ًمع الذات. كل ذلك يعمّق من إنسانيتك ويجلّي قيم الخير داخلك.
الشعور بأنك وحدك في العالم، أو أنه صُمّم لك وحدك، هو يجرّك إلى تخليك عن دورك الذي من المفترض أن تؤديه. ذلك الشعور إذا تكرّس بوعي أو من دون وعي، هو بطاقة خروجك من هذا العالم خالي الوفاض كأن لم تكن. لا أحد سيشعر أنك كنت هنا ذات يوم. ببساطة، لأن لا بصمة تركتها تدل عليك.
فقير ذلك الذي يسجل خروجه من هذا العالم ولم يحظَ بنعمة أن يكون صانعاً للفارق في حيوات الناس، أن يكون صانعاً لفرحهم وإقبالهم على الحياة باتزان وفطنة، أن ينتشلهم من واقع يزدرونه لفرط قسوته إلى واقع يقبلون عليه لأنه حافل بعدالة الفرص وإشاعة الحب في ما بينهم والانسجام.
الحكيم إرنست همنغواي يكثّف الأثر في معنى أكثر تحديداً. يسمّيه السعادة. «السعادة عيد غير ثابت التاريخ»، ويمكننا أن نفهم مقولته تلك ضمن فضاء أرحب، أن أثر السعادة الذي تتركه بين الناس بعد رحيلك لا سلطة للزمن عليه بحيث يكون قابلاً للنسيان والتلاشي.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة