أصبحت القوائم الأولية والنهائية (القصيرة والطويلة) التي تضم روايات جائزة البوكر العربية بمثابة دعاية مباشرة لهذه الروايات، وذلك، حين تشير دور النشر التي صدرت عنها تلك الروايات إلى القائمة الطويلة أو القصيرة التي حظيت بها رواية ما على غلاف الكتاب، الأمر الذي يوجّه القارئ إلى شراء الرواية وقراءتها ولو من باب الفضول ليعرف كيف ولماذا وصلت هذه الرواية إلى القوائم المتقدّمة للجائزة؟، أمّا الرواية التي تفوز بالمركز الأول في البوكر، فقد ضمنت وبسرعة دعاية واسعة الانتشار لمجرد إعلان الفوز الذي تترقبه عادةً مئات الصحف ووسائل الإعلام العربية وغير العربية، فضلاً، عن ترجمة الرواية إلى لغة وربما لغات أجنبية عدّة، وربما حظيت الرواية الفائزة أيضاً بتحويلها إلى فيلم سينمائي، وهو فضاء دعائي انتشاري آخر يكرّس اسم الروائي الفائز، ويدرّ عليه الكثير من الشهرة والمال.
هذه النعمة الدعائية الواسعة النطاق لم يحظ بها الروائيون العرب قبل ظهور البوكر العربية، بحيث يمكننا وضع تصنيف يفرض نفسه علينا اليوم، وهو: «روايات ما قبل البوكر»، و«روايات ما بعد البوكر».
نجيب محفوظ، وعبدالرحمن منيف، وحنّا مينة، وإميل حبيبي، وجبرا إبراهيم جبرا، ومؤنس الرزاز، وجمال الغيطاني، ويوسف القعيد، وغسان كنفاني، وغيرهم من روائيي السبعينات والثمانينات كلهم روائيو ما قبل البوكر، إنهم روائيو ما قبل الجوائز وما قبل الشهرة والسينما والمال، وإن كان بعضهم قد حظي بنعمة هذه المحصّلات المادية والمعنوية، لكنها تظل حظوة قليلة، قياساً بما يحصل عليه روائيو ما بعد البوكر.
نعم، قليلة هي تلك الجوائز التي حصل عليها روّاد وكبار الرواية العربية، وكان الكاتب العربي قبل عقود طويلة من الزمن تصنعه روايته فقط، إنه كان صنيع قلمه لا صنيع جائزة أو صنيع دعاية أو إعلام يدور في فلك الجائزة، لكن، علينا القول إن السينما كانت (دعاية) بعض الروائيين من ذلك الجيل الريادي، السينما التي ركضت وراء نجيب محفوظ، ويوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس.
علينا القول أيضاً، إن إعلام ودعاية ومكتسبات البوكر أفادت الرواية العربية، ووسّعت من أفق قراءتها، كما وسّعت أفق التنافس على كتابتها، وأوجدت البوكر أيضاً ظاهرة كتابة الرواية بأقلام جديدة، والكثير منها أقلام شابة، وتحديداً، الأقلام النسائية العربية الجديدة التي ظهرت خلال العقود الثلاثة الماضية، وما بعد هذه العقود، وهي معاً أقلام ما بعد البوكر.
أمامنا اليوم مكتبة روائية عربية محدّدة الملامح.. إنها باختصار، مكتبة ما بعد البوكر، وهي مكتبة ضخمة إذا جمعنا فيها الروايات المرشحة، وروايات القائمة القصيرة، وروايات القائمة الطويلة، والحصيلة مئات وربما آلاف من الروايات التي يُقرأ الكثير منها، ولو من باب الفضول.
