الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

هرمز وباب المندب.. حين تلتقي مصالح الأعداء

15 أغسطس 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 15 أغسطس 00:05 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في لعبة السياسة، لا صديق دائم ولا عدو أبدي، والثابت الوحيد في جميع المعادلات هو المصلحة.. هذا هو الشعار الذي حكم الفكر الاستراتيجي وسياسات القوى الكبرى، طوال القرون الماضية، وربما إلى الآن.. وماقاله اللورد بالمرستون الثالث عام 1848، وزير الخارجية البريطاني الشهير، يجسد هذا الشعار، أو ذلك النهج: «لا أعداء دائمون ولا أصدقاء دائمون.. مصالحنا أبدية ودائمة.. ومن واجبنا أن نتبع تلك المصالح»
لكن اليوم، وفي عالم تتشابك فيه صورة الصداقات والعلاقات بين الشعوب، أصبحت العلاقات أكثر تعقيداً.. فأحياناً يتصارع طرفان أو ثلاثة، ويأخذ الصراع السطحي مراحل متعدّدة تصل إلى حد القتل والتدمير. بينما في باطن الأمر، يقود هذا الصراع إلى تحقيق مصلحة جميع الأطراف المتحاربة فقط.. ولا توجد اليوم صورة أكثر تعقيداً وتعبيراً وشاهداً ودليلاً على ذلك من تلك الأزمة التي يرسمها الصراع الدائر حالياً، بشكل مباشر وغير مباشر، بين إيران وأمريكا، وفي الخلف إسرائيل.. فكيف تتقاطع مصالح الأعداء؟ وكيف تحولت خسائر الحرب الطاحنة إلى أرباح يحصد ثمارها المتصارعون فقط؟
الأسئلة السابقة مجرّد طرحها يكشف حجم الكارثة الحالية التي تعيشها المنطقة، وتفصيل الإجابات ربما يكشف جزءاً بسيطاً من حجم اللغز الدائر بين إيران وأمريكا، وفي الخلفية بالقطع إسرائيل، الغائب الحاضر دائماً، والتي استفادت، وتستفيد من استمرار بيئة الصراع، لإضعاف خصومها.. وإعادة تشكيل التوازن الإقليمي.
إذن، كيف التقت مصالح الأعداء؟.. إيران، وعلى الرغم من خسائرها الاقتصادية الجمّة، بَنت استراتيجتها على اختطاف هرمز الذي أصبح يمثل ورقة ضغط استراتيجية تسمح لها بالتأثير المباشر في تدفقات الطاقة العالمية، والتي يسيطر مضيق هرمز على مايقرب من 20% منها، ولذلك، فإن التحكم في المضيق يمنح إيران سلاحاً استراتيجياً للضغط على دول الخليج، والولايات المتحدة، وحلفائها.. ولم تكتف طهران بذلك، بل استمرت واستمرأت تهديد مقدّرات دول الجوار، وغير المجاورين لها، فاستدعت إحدى أذرعها الإرهابية باليمن «الحوثيين»، للضغط على باب المندب لكي تخنق ربما أهم ممرين ملاحيين في المنطق والعالم.
أما أمريكا، وهي الخصم الذي يربح دائماً في حالات الفوضى والصراع، بأشكال وصور عدة، فتؤكد في كل مناسبة أن هدف معركتها هو أمن الملاحة والطاقة عالمياً، لاينفصل بأيّ حال من الأحوال عن تعزيز نفوذها في أحد أهم شرايين التجارة والطاقة عالمياً.. وكلما طال اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، كلما ازدادت الحاجة إلى القوة الأمريكية لتأمين تحركات سفنها، مع تحقيق هدف يُعد الأسمى لأمريكا، وهو قطع الطريق أمام مبادرة الحزام والطريق الصينية، أو تأخيرها لسنوات.
وهنا، وفي المسافة بين هرمز وباب المندب تتضح المعادلة الرئيسية لتقاطع المصالح، فإيران تريد، ولأطول فترة ممكنة، أن تجعل من المضائق أداة نفوذ على الخليج والدول العربية، بينما أمريكا، التي كان من المفترض أن تئد هذه الطموحات العدوانية الإيرانية في مهدها، باتت تستخدم اضطراب المضائق مبرراً قوياً لاستمرار نفوذها العسكري والبحري لتحقيق أقصى مكاسب اقتصادية ممكنة، فضلاً عن احتواء الصين.. بينما لايريد التنين في بكين سوى شيء واحد فقط، هو ألّا يتحوّل الصراع إلى فخ تستخدمه واشنطن للإيقاع بالقوة العظمى الصاعدة بسرعة الصاروخ نحو اعتلاء قمة النظام العالمي الجديد، أو على الأقل المشاركة بوصفها أحد القطبين الكبيرين اللذين يديران الكرة الأرضية، خاصة وأن بكين تدرك جيداً نقطة ضعف مشروعها «الحزام والطريق»، وهي اعتماده على ممرات لايسيطر عليها.. وبالتالي، فإن الصين لا تريد انتصار إيران ولا انتصار أمريكا، وإنما استعادة الهدوء والوضع القديم للممرات البحرية، مع الوضع في الاعتبار أنها لا تريد لهذا الهدوء أن يكون مرهوناً بالقوة الأمريكية.
والسؤال: هل الإبقاء على الوضع الحالي الكارثي هو الحل، بين عدوان إيراني غاشم على المضيق وممتلكات دول الجوار، أم مراوحة أمريكية في إدارة صراع طويل الأمد مع طهران، بين مفاوضات غير مرئية، أو تفاهمات غير مرضية، أو مع أذرعها الخبيثة؟. الإجابة أقتبسها من تصريح للدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السموّ رئيس دولة الإمارات، عبر منصة «إكس»، عندما قال: «لا يمكن للمنطقة أن تستمر في حالة اللاحرب واللاسلم إلى ما لا نهاية؛ فاستقرارها ومستقبل شعوبها يتطلبان وضوحاً في الرؤية والمسار. وفي الوقت ذاته، لا يمكن أن تقوم المرحلة القادمة على قواعد هشة، أو ترتيبات منفصلة عن القانون الدولي، وأسس التعايش السلمي، واحترام السيادة، ومنطق السلام. الهدف هو الانتقال إلى استقرار مستدام تحكمه قواعد واضحة ومشتركة»..
وتبقى الحقيقة أن معادلة أو لعبة المصالح تهدّد النظام العالمي بأكمله.. بخاصة حين تتحول مقدّرات الشعوب وممرات التجارة العالمية إلى أوراق يتم استخدامها في صراعات الكبار.. وقد يلتقي الأعداء في الطريق نفسه، ويتفقون من دون أن يتصافحوا، ويقررون التضحية بمن يريدون.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة