قد يبدو التبرع بالأعضاء خياراً غير مطروق لكثير من الناس الذين لم تقدهم الظروف والوضع الصحي للبحث عن خيارات لمواجهة مصاعب محتملة تعترضهم، أو معايشة أزمات الآخرين ومآسيهم، إلا أن جرعات التوعية المتلاحقة غيرت المشهد، بعد أن اكتملت الصورة لدى المتلقي وبات التفكير في هذا التوجه أمراضاً يحمل كثيراً من المعاني الدينية والإنسانية النبيلة.
وزارة الصحة ووقاية المجتمع كشفت عن إنجازات نوعية حققها البرنامج الوطني للتبرع وزراعة الأعضاء البشرية والأنسجة، أسهمت في إنقاذ حياة أكثر من 1500 مريض في دولة الإمارات من أعضاء متوفين منذ العام 2017، فيما بلغ العدد التراكمي للمتبرعين بالأعضاء 549 متبرعاً، مما يمثل نجاحاً في تغيير المفاهيم السائدة حول هذا المجال، وتفعيل العطاء الإنساني المهم في إنقاذ الأرواح.
في بلد العطاء والخير والإنسانية والأيادي البيضاء، ستجد كل الجهود الخيرة طريقها للنجاح، ونكون عن قريب ضمن المجتمعات التي ترتفع فيها نسبة التبرع بالأعضاء، حيث يستطيع المتبرع الواحد إنقاذ 8 أشخاص عبر التبرع بأعضائه، فيما يزداد الوعي والإيمان بأهمية هذا العطاء، في ضوء المعاناة التي يقاسيها المرضى في انتظار المتبرعين ومن ينقذ حياتهم ويخلصهم من الآلام، حيث يوجد أكثر من 4 آلاف مريض في الانتظار يداهمهم الوقت وربما تتدهور صحتهم، بينما الفرص أمامهم، لكن لا يزال هناك تخوف أو عدم إدراك من البعض لأهمية الإقدام على وهب أعضائه لمن يحتاجها ويكمل بها مسيرة حياته، في صورة تمثل أروع صور الإنسانية.
عندما يجد المرء نفسه أمام خيار صعب، هو نقطة الفصل بين الحياة والموت، كان التوجه المفتوح أمامه سابقاً هو السفر بحثاً عن أي طريقة يتخلص بها من آلامه، باحثاً عن متبرع بأي صورة كانت، حيث كان الكثير منهم يتعرض للاستغلال، وأحياناً المتاجرة ودفع مبالغ طائلة، والخضوع لعلاج فيه الكثير من المخاطرة، وسط ظروف نفسية صعبة، أفشلت العديد من عمليات زراعة الأعضاء، خاصة أن المريض يبحث عن دعم نفسي وجاهزية طبية، إضافة إلى شرعية في حصوله على العضو الذي يحتاجه، وهي أمور لا تتوفر إلا هنا في الدولة، وعبر برنامج رسمي وموثوق لوهب الأعضاء، بعيداً عن كل ما يخالف القانون والإنسانية والمعايير الطبية وتعريض حياة المريض للخطر والتدهور.
نجاح منظومة زراعة الأعضاء في الإمارات مرهون بوعي المجتمع وتجاوبه، خاصة بعد أن توفرت جميع الأطر التي تنظم ذلك، والتجهيز والطواقم التي تتميز بأعلى درجات الخبرة في إجراء العمليات، وسط ظروف نفسية مثالية للمريض بين أهله ومن دون تحمل تبعات مادية وقانونية والدخول في مغامرات غير محدودة العواقب.
