حين دخلت إلى قاعة السينما كنت أظن أن المخرج اللامع كريستوفر نولان سيعيد قراءة أسطورة «الأوديسة» للشاعر الإغريقي هوميروس بتفاصيل مختلفة، ويعرضها بتقنيات حديثة باهرة، لكنني شاهدت شيئاً آخر تماماً، أن نولان استعار الأسطورة، وراح يتأمل عالمنا المعاصر، أخذ الحكاية القديمة بما فيها من أبطال وبحار وحروب وآلهة، وحولها إلى سؤال يخاطب بها عقولنا ووعينا: ماذا يحدث للإنسان حين يمتلك القوة ويفتقد الحكمة؟، ماذا يبقى من الحضارة عندما يغيب القانون الأخلاقي الذي يضبط استخدام تلك القوة؟
لم يعرض الفيلم عالماً ينتمي إلى الماضي، وإنما إلى عالمنا الحاضر، وألبسه أقنعة أسطورية.
كانت اللحظة الحاسمة في الفيلم التي يمكن أن تسبب إرباكاً للمشاهدين، حين وقف البطل أوديسيوس على أنقاض طروادة، واصفاً انتصاره بعبارة حاسمة: لم نكن في حرب، كنا في عملية صيد.
هذه الجملة تسحب السجادة من تحت أقدام الأسطورة كلها، فالحرب كما تحب الحضارات أن تتذكرها، تحمل شيئاً من البطولة والمواجهة والشرف، أما الصيد فلا يفترض سوى وجود صياد وفريسة.
فجأة لا يعود سقوط طروادة ملحمة مجيدة، بل يصبح فعلاً من أفعال الهيمنة، لا يعود النصر نقياً كما تحكيه الأغاني، ولا البطولة بريئة كما تصفها الحكايات.
إنها لحظة الحقيقة، التي يرى فيها المنتصر ما ارتكبه فعلاً.
ولعل هذا يفسر سبب تكرار عبارة «قانون زيوس» على ألسنة شخصيات الفيلم ما يقرب من عشرين مرة.
قد يبدو للوهلة الأولى أننا أمام مفهوم أسطوري يتعلق بإرادة الآلهة، لكن الفيلم، في تقديري، يتعامل معه بصورة مختلفة، قانون زيوس ليس إلا ذلك القانون الذي يجعل الحياة الإنسانية ممكنة وعادلة.
إنه الاعتراف بأن للقوة حدوداً، وأن امتلاك القدرة لا يمنح الإنسان حق استخدام هذه القدرة كيفما شاء، وأن الحضارة تبدأ من اللحظة التي يصنع فيها البشر قيوداً أخلاقية على أنفسهم، وعندما يُكسر هذا القانون تحل الكوارث بالإنسان حروباً ودماء وخراباً، ليس لأن الآلهة تنتقم من الذين انتهكوه، بل لأن العالم الإنساني نفسه يبدأ في الانهيار.
وما تكشفه رحلة أوديسيوس، في جوهرها، ليس غياب القوة، بل غياب الحكمة التي تليق بها. ولهذا نعيش اليوم في عصر يملك من أدوات القوة العلمية والمادية ما لم تعرفه حضارة من قبل، لكن هذا الفائض في القدرة لم يقترن بفائض موازٍ في السلام. للحديث بقية.
