قالها ابني ونحن نتحدث عن وجهة سفر جديدة: «الخليج كله متشابه».. لم يقل إن المكان ممل، ولا إنه لا يحب هذه الأرض.
قال شيئاً أكثر إزعاجاً: إن المكان لم يعد يخبئ له مفاجأة، وإن الاختلاف بين مدنه لا يبدو كافياً ليصنع رغبة في السفر إليها.
وتساءلت: هل يرى جيلي مدن الخليج مختلفة لأننا نحمل في ذاكرتنا نسخاً أقدم منها، يوم كانت الفروقات أكثر وضوحاً؟، حين تُبنى المدن في عقود قليلة بدل قرون، تصبح السرعة جزءاً من هويتها. ولكي نصل سريعاً، استعنا بحلول ناجحة ومضمونة: الأبراج، المجمعات التجارية، الواجهات البحرية، الفنادق والمقاهي العالمية.
كانت النتيجة إنجازاً تنموياً هائلاً ورفاهية لا يمكن إنكارها، لكن كان لها أثر جانبي: مدن شديدة الحداثة تتحدث أحياناً اللغة البصرية نفسها من أقصى الخليج إلى أقصاه.
في مخيلة ابني، تبدو أوروبا كأنها تمشي فوق طبقات من التاريخ المرئي.. شارع قديم، مبنى يحمل أثر الزمن، وحكاية يمكن رؤيتها قبل أن تُقرأ، أما الخليج فيبدو له حاضراً، طبقة واحدة نظيفة وجديدة.
هناك مدينتان في المكان نفسه: مدينة يراها الابن، ومدينة تعيش في ذاكرة الأب، حين أنظر إلى مدن الخليج لا أرى الزجاج فقط. أرى الفريج الذي كان هنا، والسوق الذي انتقل، والوجوه التي عرفت المكان قبل أن يصبح بهذا الشكل. جيلي ما زال يحمل خريطة قديمة للمدن، لم تُبنَ من إسمنت، بل من ذاكرة.
ذاكرة بقي الكثير منها حبيساً في المتاحف والمهرجانات، بدل أن يسري في تفاصيل حياتنا اليومية.. جيل وقع في حب المدن، ونسي أحياناً أن الجبل والنخيل والصحراء لا تزال قريبة منه.. يفتخر الجيل الجديد بإنجازات الخليج ومدنه الحديثة، وهذا واضح في أعينهم. لكن الفخر شيء، والرغبة في أن تذهب وتكتشف بنفسك شيء آخر تماماً.
ربما يفرض التقدم الخاطف ضريبة مستحقة هي أن نتخفف من بعض التفاصيل المحلية لكي نتحرك أسرع نحو المستقبل. وأحياناً أتساءل: هل ما فقدناه كان جزءاً من كلفة النجاح نفسه؟.
لو ظلت كل مدينة متمسكة بكل سكة وبيت طيني، هل كانت لتتحرك بالسرعة نفسها؟ ربما لم يكن التشابه خطأً في التخطيط، بل ثمناً فرضه التقدم دون أن يستشيرنا، وربما تكون الطبقة الأولى من مدن الخليج متشابهة فعلاً. لكن هل هذا التشابه نهايتها، أم مجرد طفولة عمرانية في قصة لم تكتمل؟
هل سيكبر الجيل الجديد باحثاً عن الاختلاف بعيداً؟ أم يكتشف يوماً أنه، مثلنا، يعيش بين مدينتين: واحدة يراها، وأخرى لا تسكن إلا الذاكرة؟.
