الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

مَن يكشر عن أنيابه.. ترامب أم الدستور؟ الانتخابات النصفية تجيب

17 أغسطس 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 17 أغسطس 00:05 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
في أمريكا، لا تعني الانتخابات النصفية منتصف الطريق فقط، بل منتصف السلطة. فبعد عامين من انتخاب الرئيس، يعود الأمريكيون إلى صناديق الاقتراع ليقرروا من يملك الكونغرس، ومن يملك القدرة على تمرير القوانين أو تعطيلها، ولهذا كانت «النصفية»، تاريخياً، أول فاتورة سياسية يدفعها الرئيس.
ومنذ 1946، خسر حزب الرئيس مقاعد في مجلس النواب في 18 من أصل 20 انتخابات نصفية، والاستثناءان كانا بيل كلينتون وجورج بوش الابن. فهل يلحق بهم ترامب؟
ولفهم المعركة، علينا أولاً أن نعرف ما الذي ينتخبه الأمريكيون؟ في 3 نوفمبر، تُنتخب جميع المقاعد ال435 في مجلس النواب، وتُجرى 35 منافسة على مقاعد مجلس الشيوخ، بينها 33 انتخاباً دورياً وانتخابان خاصان، إلى جانب 36 سباقاً لمنصب الحاكم. وفي مجلس النواب، يمثل كل عضو دائرة انتخابية، بينما يمثل السيناتور ولايته كلها، لذلك لا توجد «انتخابات أمريكية واحدة»، بل مئات الانتخابات الصغيرة التي تجرى في اليوم نفسه. ويستطيع الناخب، بحسب قوانين ولايته، أن يصوت حضورياً يوم الانتخابات، أو مبكراً، أو عبر الاقتراع بالبريد، وهو حق ظل، في ولايات عدة، محوراً لنزاعات سياسية وقضائية.
وهنا تأتي الخديعة الجميلة في الاستطلاعات النصفية: الخريطة ليست أمريكا. حين يقول استطلاع التفضيل الحزبي العام للكونغرس (generic ballot) إن الديمقراطيين يتقدمون بست نقاط مثلاً، فهذا لا يعني أنهم سيحصلون على حصة أعلى بست نقاط مئوية من المقاعد. فالمقاعد ال435 ليست صندوقاً وطنياً واحداً، بل 435 معركة، لكل منها جغرافيتها وديموغرافيتها ومرشحها وتاريخها. وحتى الاستطلاع العام، لا يقيس بالكامل خصوصية كل سباق أو أثر إعادة رسم الدوائر. لذلك قد يربح الديمقراطيون أمريكا في الاستطلاع، ويخسرون أمريكا في الخريطة.
وفي الخريطة الحالية، تبدو المعركة على مجلس النواب أكثر حساسية لترامب. ومع ذلك، إذا انقلب المجلس، فلن يكون الأمر مجرد تغيير في لون القاعة، سيكون انتقالاً في مركز الثقل، من كونغرس يمرر أجندة الرئيس إلى كونغرس يستطيع التحقيق معه، وتعطيل بعض تشريعاته، ومساءلة إدارته. هنا يتحول عدم الرضا عن ترامب إلى سلطة مضادة لترامب.
أما مجلس الشيوخ فهو القفل الأصعب، الجمهوريون يدخلون المعركة ب53 مقعداً مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم، فيما يوجد 35 مقعداً على بطاقة الاقتراع، بينها 22 يشغلها جمهوريون و13 يشغلها ديمقراطيون. ولذلك تبدو الخريطة أكثر قسوة على الديمقراطيين، وحتى مع الحفاظ على مقاعدهم الحالية، يحتاجون إلى صافي أربعة مقاعد لانتزاع الأغلبية. لكن السيناريو الأكثر إثارة ليس بالضرورة اكتساحاً ديمقراطياً، بل مجلس نواب أزرق ومجلس شيوخ أحمر، عندها تصبح واشنطن مقسومة، فهل يستطيع ترامب أن يحكم في ضوء ذلك؟
ثم يأتي الصندوق الذي قد يكون أقوى من كل الصناديق: صندوق البقالة. فالاقتصاد وتكلفة المعيشة يتصدران اهتمامات الناخبين، وفي استطلاع أجرته رويترز/إبسوس تقدم الديمقراطيون بفارق ضئيل على الجمهوريين في الثقة بإدارة الاقتصاد، 37% مقابل 36%. وفي يونيو الماضي، كانت أسعار الغذاء أعلى بنسبة 2.7% من مستواها قبل عام، هنا، نقول: قد لا يُسقط الناخب الأمريكي رئيساً بسبب خطاب عن السياسة الخارجية، لكنه يحاسبه أمام رفوف القهوة واللحم والتفاح، إذ تبدأ الثورة من فاتورة البقالة.
وتتجه انتخابات 2026، وفق التقديرات لتكون أغلى دورة انتخابية نصفية في التاريخ، مع إنفاق إعلاني سياسي متوقع بنحو 11.6 مليار دولار. لكن المال بدأ يفقد شيئاً من سحره، لا بمعنى أنه فقد قوته، بل لأنه لم يعد ضمانة للنصر. ففي ميتشيغان، هزم عبدول السيد هالي ستيفنز بعدما كانت الأخيرة متفوقة عليه في الإنفاق الإعلاني الخارجي بنحو 12 إلى واحد في الأسابيع الأخيرة.
وفي مينيسوتا، فازت بيغي فلاناغان بالترشيح الديمقراطي لمجلس الشيوخ رغم أن منافستها أنجي كريغ كانت تتمتع بميزة مالية ودعم مؤسسي قوي. وقبل أن يصبح هذا المشهد جزءاً من ذاكرة 2026، كانت ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز قد أثبتت في 2018 أن المال والمؤسسة لا يصنعان دائماً النتيجة، حين هزمت جو كراولي، أحد أبرز وجوه المؤسسة الديمقراطية، رغم فارق إنفاق هائل.
ثلاث معارك، وثلاث رسائل: حين يتحول المال إلى جدار، قد يتحول الغضب الشعبي إلى سُلم، وحين تزدحم الشاشات بالإعلانات، يبقى للصوت الذي يخرج من باب إلى باب قدرة لا تشتريها صناديق التبرعات. كأن أمريكا التي اعتادت أن تشتري السياسة بدأت تكتشف أن المال يستطيع شراء الإعلان، لكنه لا يستطيع دائماً شراء المزاج.
وهنا نصل إلى جوهر انتخابات 2026: ترامب لا يخوض معركة على مقاعد الكونغرس فقط، بل على تعريف التفويض الذي حصل عليه في 2024. فقد عاد إلى البيت الأبيض باعتقاد أن الناخب منحه حق إعادة تشكيل أمريكا. لكن الانتخابات النصفية قد تضع أمامه جملة أخرى: نعم، انتخبتك رئيساً، لكنني لم أنتخبك لتكون الدولة.
لهذا لن تكون انتخابات نوفمبر مجرد سباق بين الأحمر والأزرق. ستكون أول امتحان حقيقي لقدرة ترامب على تحويل شخصيته إلى نظام سياسي دائم، وأول لحظة قد تكتشف فيها أمريكا أن الرجل الذي عاد إلى البيت الأبيض لم يعد يملك بالضرورة نهاية قصته. ففي السياسة، قد تربح الانتخابات لتصل إلى السلطة، ثم تخسرها لتكتشف أن السلطة ليست لك وحدك.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة