الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

سانشيز.. الرجل الذي أزعج البوصلة

3 أغسطس 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 3 أغسطس 00:05 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
«في زمن الخداع العالمي، يصبح قول الحقيقة عملاً ثورياً».
جورج أورويل
***
في كل عصر، لا تخشى الأنظمة دائماً صوت المتمرد الذي يقف خارج الأسوار؛ فهذا يسهل تعريفه، ومحاصرته، ووضعه في خانة بعيدة، لكنها ترتبك أمام المختلف الذي يدخل من الباب نفسه الذي دخل منه الجميع، ويحمل الشرعية ذاتها، ويجلس على الكرسي الذي صنعته صناديق الاقتراع.
المشكلة ليست دائماً في الرجل الذي يرفض النظام، بل في الرجل الذي يصل إليه، ثم يقول: أستطيع أن أراه بطريقة أخرى.
هنا تبدأ القصة الحقيقية لبيدرو سانشيز، ففي السياسة، لا تكمن كل الانتصارات في لحظة إعلان الفوز، ولا كل الخسارات في لحظة السقوط. أحياناً يكون الصندوق الانتخابي بداية المعركة، لا نهايتها. وهذا ما حدث في إسبانيا عام 2023، حين خرج الحزب الاشتراكي بقيادة سانشيز من الانتخابات بأكثر من 31% من الأصوات، خلف الحزب الشعبي الذي تصدّر النتائج، لكنه نجح في تشكيل حكومة ائتلافية بعد حصوله على ثقة البرلمان. لم يكن ذلك انتصاراً ساحقاً، لكنه كان انتصاراً كافياً ليقول إن السياسة ليست دائماً لمن يحصل على الرقم الأكبر، بل لمن يستطيع أن يحول الأرقام إلى مسار.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح سانشيز أكثر من رئيس حكومة إسبانية؛ أصبح حالة سياسية تختبر حدود المساحة المسموح بها داخل أوروبا الحديثة، فالرجل لم يخرج من «الناتو»، ولم يعلن القطيعة مع الولايات المتحدة، ولم يبحث عن خصومة مع أوروبا. لم يهدم البيت الذي يعيش فيه، لكنه حاول أن يغيّر بعض النوافذ التي اعتاد الآخرون النظر منها. وفي السياسة الدولية، ليست كل الاختلافات تُقاس بحجم الانقلاب؛ أحياناً يكفي أن تطرح سؤالاً في غرفة اعتادت أن تسمع الإجابة نفسها.
في ملف غزة والقضية الفلسطينية، اختارت حكومته مساراً أكثر حدّة من عدد من الحكومات الأوروبية، ووصلت إسبانيا إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية عام 2024، في خطوة وضعتها في مواجهة سياسية مع الحكومة الإسرائيلية. وفي ملفات أخرى، حاول سانشيز تقديم بلاده باعتبارها دولة تملك صوتاً مستقلاً داخل القارة، لا مجرّد صدى للتيارات الكبرى، أو ظلاً سياسياً يتحرك وفق اتجاه الريح القادمة من البيت الأبيض.
اليوم، يواجه سانشيز تحديات داخلية حقيقية. تراجعت شعبيته في عدد من استطلاعات الرأي، وواجهت حكومته أزمات سياسية، وملفات فساد طالت شخصيات من محيط الحزب، بينما ترى المعارضة اليمينية أن لحظة إسقاطه قد تكون بداية تحول سياسي واسع في إسبانيا. ومع ذلك، تبقى الصورة أكثر تعقيداً من مجرد منحنى صعود، أو هبوط؛ فالرأي العام لا يتحرك دائماً في اتجاه واحد، والسياسة لا تُختصر في جدول أرقام.
لأن السؤال الأكبر ليس: هل ينجو سانشيز؟ بل: لماذا أصبحت بعض الشخصيات السياسية تتحول إلى ساحات صراع تتجاوز حدود أوطانها؟ فهو ليس حالة منفردة.
في القارة الأوروبية، ظهرت أسماء أخرى وجدت نفسها في مواجهة أسئلة مشابهة. في فرنسا، أصبح جان لوك ميلانشون أحد أكثر الأصوات إثارة للجدل بسبب مواقفه الاقتصادية والخارجية. وفي بريطانيا، عاش جيريمي كوربن تجربة سياسية عاصفة بعدما اصطدم بالتيار السائد، داخل حزبه وخارجه. وفي ألمانيا، واجهت سارة فاغنكنشت مساراً سياسياً معقداً بعد خروجها عن بعض خطوط اليسار التقليدي.
لا يجمع هؤلاء مشروع واحد، ولا رؤية واحدة، بل تجمعهم لحظة سياسية أوسع: اللحظة التي يصبح فيها المختلف موضوعاً للتصنيف، قبل أن يصبح موضوعاً للنقاش.
مرة يوصف بالشعبوية، وأخرى بعدم الواقعية، حتى وصلت إلى أنه لا يملك على الحكم مسؤولية.
وهنا نصل إلى السؤال الذي يتجاوز سانشيز نفسه.
في كل عصر توجد حدود لا تكتبها الدساتير، بل ترسمها الإجماعات. هناك ما هو مسموح قانوناً، وهناك ما يصبح مُكلفاً سياسياً. والسياسي لا يُختبر عندما يخالف القانون فقط، بل عندما يقترب من المناطق التي اعتاد المجتمع السياسي اعتبارها ثابتة لا تُمس.
لكل عصر أسواره. بعضها يبنى من الحديد فتراه العيون، وبعضها يبنى من الأفكار فلا يشعر به أحد، إلا من حاول عبوره، فلماذا نقبل التنوع في اللغة والثقافة والهوية، ثم نضيق أحياناً بالتنوع في قراءة العالم؟ لماذا يصبح الاختلاف الاجتماعي علامة على الحيوية، بينما يصبح الاختلاف الجيوسياسي مصدر قلق؟
أليست الديمقراطية في جوهرها وعداً بأن الحقيقة لا تسكن مكاناً واحداً؟
لقد بنت أوروبا أعظم قصصها السياسية على فكرة الحرية، وعلى أن الإنسان لا يُمنح حق الكلام لأنه يقول ما نحب، بل لأن حقه في الكلام يسبق اتفاقنا معه. كانت يوماً أم القانون، ومهد الحريات، والنهر الذي شرب منه العالم فكرة الدولة الحديثة، لكن الأنهار العظيمة لا تُختبر بقدرتها على حمل السفن فقط، بل بقدرتها على استقبال الروافد المختلفة.
ويبقى السؤال معلقاً فوق قارة صنعت فكرة التعدّد: هل تعاقب الديمقراطية المختلف لأنه أخطأ، أم أنها، في لحظات معيّنة، تخشى المختلف لأنه يثبت أن الطريق الذي اعتقدت أنه الوحيد، لم يكن كذلك؟
الديمقراطية لا تفقد روحها عندما تُغلق الصناديق فقط، بل عندما تفتحها، ثم تطلب من الذين خرجوا منها أن يتحدثوا بصوت واحد.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة