قبل أسابيع كنت في زيارة روتينية لطبيب، وخلال عملية الفحص دار حوار بيننا، حول جدوى العلوم الاجتماعية، بعدما خاطبني: ماذا يقدم أستاذ باحث في العلوم القانونية للمجتمع غير الكلام، مقارنة بالعلوم الطبيعية كالطب؟ سؤال مستفز دفعني إلى البحث في جدوى العلوم الاجتماعية بشكل عام من خلال هذه المحاولة.
تتمحور العلوم الاجتماعية حول مجموعة من الحقول المعرفية التي تنصب على دراسة وتحليل السلوك البشري، ومختلف التفاعلات بين الأفراد والمجتمعات، وطرح حلول للمعضلات الاجتماعية، وهي تتفرع إلى عدد من التخصصات، كما هو الأمر بالنسبة لعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد والعلوم السياسية والعلوم القانونية والتاريخ والجغرافيا..
ففي الوقت الذي يحفظ الطب حياة الإنسان، فإن القانون يحمي حقوقه وينظم سلوكه، بما يدعم استقرار المجتمع، كما أنه لا يمكن تخيل الطب دون إطار قانوني يوفر الحماية للطبيب كما المريض، ودون تشريعات صحية تؤطر تداول الأدوية وعدداً من القضايا الطبية (كالإجهاض والاستنساخ والقتل الرحيم)، وتمنع الممارسات غير المشروعة كالاتجار في الأعضاء.
إن العلوم الاجتماعية لا تقل أهمية عن باقي العلوم الطبيعية، باعتبارها تنصب على تحليل وفهم السلوكات الإنسانية، وتقديم الكثير من الحلول الكفيلة بمواجهة مختلف الإشكالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية والإدارية والثقافية التي تواجه المجتمعات، علاوة على تطوير القطاع الخاص والمساهمة في تعزيز الوعي، وتمكين الفئات الأقل حظّاً داخل المجتمع وعقلنة السياسات العمومية وتقييم الأثر الاجتماعي للمشاريع الكبرى، والعمل على تطوير المنظومة التعليمية وربطها بقيم المواطنة، بصورة تدعم تحقيق التنمية بما يتلاءم مع واقع وخصوصيات المجتمعات.
إن العلوم الاجتماعية بمقارباتها المختلفة تساهم في إخراج العلوم الطبيعية من حيادها، عبر استحضار الأبعاد الأخلاقية، حتى تكون هذه العلوم (الطبيعية) في خدمة الإنسان والمجتمع.
وأمام طفرة التحول الرقمي، أصبحت الشركات التكنولوجية الكبرى تستعين بخدمات الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع وفقهاء القانون إلى جانب المهندسين والخبراء في مجال الحواسيب، كسبيل لمواكبة التحديات الأخلاقية والاجتماعية والنفسية التي يطرحها التطور الرقمي بشكل عام والذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص.
تحرص الكثير من الدول الأوروبية على الاهتمام بالعلوم الاجتماعية وتمكينها من تمويلات هامة تدعم البحوث الاجتماعية باعتبارها مكوناً من مكونات الهوية الثقافية والتخطيط المجتمعي الكفيل بتحقيق التنمية وتعزيز الاستقرار، وبناء مواطن على قدر من الوعي.
ونشير في هذا السياق إلى برنامج «أفق أوروبا» الذي تخصص من خلاله المفوضية الأوروبية ميزانية كبيرة تناهز 100 مليار يورو لتمويل البحث والابتكار، مع اشتراط إدراج «العلوم الاجتماعية والإنسانية» ضمن مشاريع البحث بشكل أساسي.
فيما تؤكد الكثير من الدراسات العلمية على أن واقع هذه العلوم يشهد تحديات كبيرة داخل الولايات المتحدة الأمريكية بفعل تراجع الدعم المخصص لها، في مقابل الاهتمام المتزايد بحقل التكنولوجيا الحديثة، وارتباط تمويل الجامعات والبحث العلمي بالقطاع الخاص الذي غالباً ما يربط هذه التمويلات بتحقيق الربح الخاص على حساب المصلحة العامة.
أما الصين وبرغم إنجازاتها الصناعية والتكنولوجية، إلا أنها تخصص ميزانيات ضخمة لتمويل العلوم الاجتماعية التي غالباً ما تنصبّ على التوجهات السياسية والاقتصادية والثقافية للدولة، وفي مجال علم الاجتماع الرقمي.
وتعتبر اليابان من ضمن الدول التي تخصص إمكانات مالية ضخمة للعلوم الطبيعية على حساب العلوم الاجتماعية والإنسانية، بمبرر التركيز على احتياجات المجتمع والاقتصاد بشكل آني ومباشر. بينما تركز روسيا في ظل الظروف الجيوسياسية الحالية على توجيه العلوم الاجتماعية والطبيعية نحو حماية أمنها القومي وتعزيز حضورها على المستوى الدولي.
إن السمة الأساسية للعلوم سواء كانت اجتماعية أو طبيعية هي التقاطع والتكامل، فكلاهما يستند إلى مناهج دقيقة لفهم الظواهر على اختلاف أشكالها، وحل مختلف المشكلات العملية وتطوير جودة حياة الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة.
