لا يمكن لأي باحث أو مهتم بالحراك الثقافي والإبداعي في مملكة البحرين أن يتغاضى عن واحد من أهم الأصوات الشعرية، بل الأهم من دون التورط في التصنيف الجندري، بعد تجربة الشاعر البحريني الكبير قاسم حدّاد، وأعني به هنا صوت الشاعرة والكاتبة البحرينية فوزية السندي.
ظلت لعقود وفيّة لمشروعها الشعري، آخذة به إلى آفاق من التحولات والإضافات المدهشة. وحيث لابد من التورّط في تصنيف الاتجاهات التي وجد شعراء أنفسهم في خضمّها، أوفياء لها، برزت السندي صوتاً أصيلاً وعميقاً منفتحاً على المدارس الشعرية واتجاهاتها، فكانت علامة فارقة في «قصيدة النثر» مع ملاحظة أنها لم تكن ممن انغلقوا أو توجّسوا من الاتجاهات والمدارس الشعرية التي تزخر بها الساحة البحرينية.
ولم تكن شهادة الأستاذ الدكتور علوي الهاشمي ضرباً من المبالغة حين أشار ذات شهادة إلى أنها «تُعتبر الآن أبرز شعراء قصيدة النثر في البحرين بعد قاسم حداد الذي شق هذا الطريق فنياً».
ثمة شعراء يختزلون ثقافتهم في نصوصهم ولا يتجاوزون ذلك. قصيدة تندلق بعفوية دون دراية بميكانيكية تشكّلها. وقد لا يحسنون كيفية عمل اللغة من حيث هي نظام معقّد لكنهم يطلعون علينا بالجميل والمدهش. وثمة شعراء يأتون إلى النص وهم متسلحون بدراية التشكل ويفطنون إلى أهمية معرفة الكيفية التي تعمل بها اللغة ونظامها المعقد، لتأتي عفوية النص متماسكة وأخاذة استناداً إلى تلك الدراية.
تعرفنا على نص السندي من دون أن تخطئ أعيننا أن نصها ينطلق ويستند إلى ثقافة وتأسيس عميق، يتجلّى في الكتابات التي تضمها مدوّنتها أو تلك التي تنشرها في مدوّنات وصحف ودواوين شعرية، وأحياناً من خلال مشاركتها في بعض التحقيقات على الصفحات الأدبية وإن كان حضورها نادراً على مستوى الصحف.
هنا بعض من نثرات تختزل ما ذهبنا إليه في هذه الكتابة «جدوى الشعر تكمن في أن تثمر الصورة الشعرية معنى الجنة في مخيلة طفلة تلتحف الليل وهي تقرأ ما يحاكم العالم أمامها قبل أن تسقط دمعة على ثيابها».
وتذهب أبعد من ذلك في تناولها جدوى العمل الإبداعي بالقول «جدوى العمل الإبداعي تكمن في تأثيره في لحظة عابرة من الزمن في مخيلة إنسان ما يحدق وحيداً في الهواء.. تأثير عميق في مشاعره لإحداث كل هذا التحول الحسي الجمالي في طاقة المعنى والرؤية للكون كله».
متأنية هي قبل أن تدفع نصها الطازج إلى المطابع. ليست من الذين يتباهون بالثرثرة، فهي منشغلة بصمت تراه أجدى من كل الكلام العابر الذي لا يقول شيئاً. هي تكتب لتتباهى «بقدرة الحقل كلما رأيت سنبلة تتألم وتميل»، كما كتبت ذات نص.
