الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
السقوط التلقائي وخطة فنزويلا والغزو العسكري.. أبرز السيناريوهات

هل تستعد أمريكا لـ «عملية النمس الثانية» ضد كوبا؟

21 أغسطس 2026 22:45 مساء | آخر تحديث: 21 أغسطس 22:54 2026
دقائق القراءة - 7
شارك
share
الثورة الكوبية بقيادة كاسترو 1959
الثورة الكوبية بقيادة كاسترو 1959
icon الخلاصة icon
ترامب يشدد الحصار على كوبا ويطرح 4 سيناريوهات لتغيير النظام: السقوط التلقائي، نموذج فنزويلا، تدخل مباشر أو صفقة إصلاحات مقابل تخفيف العقوبات
على مدار أكثر من 230 عاماً كانت كوبا عنواناً للخلافات والصراعات ليس فقط بين ساكن البيت الأبيض والنظام الحاكم في الجزيرة التي تبعد 90 ميل فقط عن منزل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مار- ألاجو- بولاية فلوريدا، بل كانت كوبا على الدوام مادة للخلافات الداخلية الأمريكية منذ أن منح الرئيس ثيودور روزفلت الاستقلال العلني لكوبا في 20 مايو 1902، حيث انتقد كل الرؤساء الأمريكيين بعد ذلك هذه الخطوة وفي مقدمتهم الرئيس الحالي دونالد ترامب الذي ينظر إلى كل المعضلات الاستراتيجية التي تشكلها كوبا باعتبارها نتيجة مباشرة لقرار ثيودور روزفلت قبل 124 عاماً.
منذ عودته للبيت الأبيض في 20 يناير 2025 شدد ترامب الحصار الاقتصادي والدبلوماسي على كوبا، لكن في شهر مايو الماضي اتخذت الولايات المتحدة 3 خطوات غير مسبوقة بحق كوبا،  الأولى: اتهام الرئيس السابق راؤول كاسترو، عندما كان وزيراً للدفاع، بإسقاط طائرتين مدنيتين عامي 1995 و199، ما أدى إلى مقتل 4 أمريكيين، وهو ما يشكل «ذريعة قانونية» لتكرار سيناريو فنزويلا باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في 3 يناير الماضي، وبالفعل كررت وزارة العدل الأمريكية هذا الاتهام بأن راؤول كاسترو سوف يقف أمام المحكمة الأمريكية «بأي طريقة»، والمقصود «بأي طريقة» إما أن يسلم نفسه طواعية، وهذا مستبعد تماماً، أو تعتقله القوات الأمريكية كما اعتقلت مادورو قبل أشهر.
فشل النمس وخليج الخنازير في تغيير النظام الكوبي
فشل النمس وخليج الخنازير في تغيير النظام الكوبي
الخطوة الثانية جاءت عبر تطبيق واشنطن «العقوبات القصوى» على نظام الرئيس ميجل دياز كانيل، وهو ما أدى إلى انهيار شبه كامل لاقتصاد البلاد، وأدى القبض على مادورو، وتوقف تدفق نحو 100 ألف برميل من النفط الفنزويلي يومياً إلى انقطاع الكهرباء لأكثر من 18 ساعة يومياً عن الشعب الكوبي، ويلعب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو دوراً بارزاً في قيادة الجناح الجمهوري المتشدد الذي يسعى إلى تغيير النظام السياسي في كوبا.
الخطوة الثالثة والأخطر تجسدت في حشد واشنطن للعديد من القطع العسكرية بالقرب من كوبا، والتي يطلق عليها «جزيرة الحرية» في أمريكا اللاتينية والكاريبي، لأنها ظلت عصية على السياسات الأمريكية منذ قطع الرئيس الأمريكي الأسبق جون كيندي العلاقات الدبلوماسية مع نظام فيدل كاسترو 1961، وفشل «عملية النمس» التي قادتها المخابرات الأمريكية لإسقاط حكم كاسترو، عام 1961 واستمرت طوال عام 1962، فهل يغزو الرئيس ترامب «كوبا» لإسقاط نظامها الشيوعي المستمر منذ عام 1959؟، بعملية مشابهة لعملية النمس، وإلى أي مدى يمكن أن ينهار نظام هافانا دون تدخل الجيش الأمريكي.

عداء طويل

منذ منتصف القرن التاسع عشر كانت النخبة السياسية الأمريكية تطالب بضم كوبا حتى لا تكون شوكة في خاصرة الولايات المتحدة، وهناك «وثيقة أوستند» في عام 1854 التي يطالب فيها عدد من السفراء والسياسيين بشراء كوبا أو ضمها بالقوة للأراضي الأمريكية، وعندما حاول الكوبيون التخلص من الاستعمار الإسباني عام 1868 تدخلت الولايات المتحدة لدعم الكوبيين، ليس بهدف حصولهم على الاستقلال، بل من أجل طرد إسبانيا حتى تصبح الساحة متاحة للبيت الأبيض للسيطرة على الجزيرة الكوبية، وتحقق هذا الهدف للولايات المتحدة عندما انتصر الجيش الأمريكي على نظيره الإسباني في الحرب الأمريكية الإسبانية عام 1898، حيث ضمت الولايات المتحدة كوبا وجوانتانامو وبورتريكو والفلبين وجزيرة جوام في قلب المحيط الهادئ، لكن بعد أقل من 3 سنوات، فوجئ الأمريكيون بالرئيس ثيودور روزفلت عام 1902 يتخلى عن كوبا، ويمنحها الاستقلال رغم أنه حاول أن يحافظ على بعض الامتيازات الأمريكية في الموانئ الكوبية عبر ما سمي «تشريع بلات» الذي ألغاه عام 1934 الرئيس فرانكلين روفلت، وزاد العداء بين واشنطن وهافانا عندما دعم المكتب البيضاوي انقلاب باتيستا في 10 مارس 1952، الأمر الذي قاد في النهاية إلى الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو في الأول من يناير 1951، ورغم محاولة كاسترو التقارب مع البيت الأبيض عندما سافر بالفعل إلى نيويورك للقاء الرئيس دوايت أيزنهاور، لكن أيزنهاور رفض مقابلة كاسترو الذي عاد إلى هافانا، واتصل بالسوفييت، ومن وقتها أصبحت كوبا دولة شيوعية.
وخلال العقود الأخيرة وضعت واشنطن مجموعة من الاستراتيجيات لإسقاط نظام هافانا منها استراتيجية «الأقدام المبللة» التي كانت ترحب بالمهاجرين الكوبيين القادمين من كوبا مباشرة إلى ولاية فلوريدا بهدف بناء جالية خارجية معارضة للنظام الكوبي، وعندما زاد تدفق الكوبيين على الأراضي الأمريكية وضع البيت الأبيض استراتيجية جديدة أطلق عليها «قدم جافة وقدم مبللة» عام 1995، حيث كان يتم الترحيب بالكوبيين القادمين فقط من دولة ثالثة غير كوبا للتقليل من عدد الكوبيين القادمين عبر المياه مباشرة إلى ولاية فلوريدا، كما وضعت الولايات المتحدة كوبا ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفرضت عليها حصاراً اقتصادياً كاملاً منذ عام 1961، وحاولت المخابرات الأمريكية تغيير النظام الكوبي عبر التدخل العسكري المباشر في عمليتي «النمس» و«خليج الخنازير»
ملامح الفقر في كوبا
ملامح الفقر في كوبا

السيناريوهات

حاولت جميع الحكومات الأمريكية إسقاط النظام الشيوعي في كوبا، لكنها فشلت، وحدث تقارب لفترة محدود بين كوبا والولايات المتحدة في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية مع كوبا، وزار هافانا عام 2015، ويسعى الرئيس ترامب وإدارته إلى تغيير النظام في كوبا عبر 4 سيناريوهات وهي:

الأول سقوط التلقائي

في أول يوم له في وزارة الخارجية وضع ماركو روبيو خطة لإسقاط النظام في كوبا أطلق عليها «السقوط التلقائي»، والتي تقوم على عدم الانخراط المباشر في أنشطة عسكرية يمكن أن تفشل عما فشلت من قبل عمليتي «خليج الخنازير» و«النمس» في عهد الرئيس جون كينيدي، لكن هذه الخطة تقوم على «تعميق الأزمات» السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يؤدي إلى سقوط النظام الشيوعي الكوبي من تلقاء نفسه، وتعزز الأمل في هذا السيناريو بعد عملية «الحزم المطلق» في يناير الماضي، واعتقال القوات الأمريكية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، لأن كوبا منذ عهد الرئيسين هوجو شافيز ثم نيكولاس مادورو كانت تتلقى دعماً سياسياً واقتصادياً كاملاً، وبعد خسارة كوبا الدعم الفنزويلي شددت واشنطن الخناق الاقتصادي عليها عبر تفعيل قانون «التجارة مع العدو» الذي صدر عام 1917 وأعاد الرئيس جون كيندي تفعيله عام 1963، ومنذ ذلك الحين يعد هذا القانون ورقة قوية بيد أي إدارة أمريكية تعمل على تشديد الخناق على نظام هافانا، وفي 29 يناير الماضي أصدر الرئيس ترامب القرار التنفيذي رقم 14380، الذي يفرض عقوبات اقتصادية على أي دولة تتعامل تجارياً مع كوبا، وهدف البيت الأبيض من هذا القرار قطع الطريق على الأنظمة اليسارية الأخرى في الكاريبي وأمريكا الجنوبية التي يمكن أن تقدم «قبلة الحياة» لنظام هافانا، وكل ذلك بهدف دفع الكوبيين إلى الثورة على النظام الحاكم وإسقاطه تلقائياً من دون تدخل عسكري أمريكي مباشر.
لكن فرص تحقيق سيناريو «السقوط التلقائي» ضعيفة للغاية نظراً لمجموعة من الأسباب منها قدرة كوبا على التكيف مع العقوبات منذ بداية الستينات، وخلال ما يقرب من 7 عقود نجحت كوبا في التغلب على كل التحديات الاقتصادية التي تسبب فيها الحصار الأمريكي والغربي، واليوم هناك بعض الدول في أمريكا اللاتينية والكاريبي تحاول تعويض كوبا عن وقف الدعم الفنزويلي مثل الدعم الذي تقدمه كولومبيا وبوليفيا والمكسيك والبرازيل، ناهيك عن الدعم الصيني والروسي، حيث تعتبر كل من بكين وموسكو كوبا «ورقة استراتيجية» في معركة «الحدائق الخلفية» مع واشنطن والدول الغربية.
حصار للساحل الكوبي
حصار للساحل الكوبي

الثاني: السيناريو الفنزويلي

وهو يعني تغيير وجه النظام الكوبي على غرار اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو في 3 يناير الماضي، لكن هذا السيناريو يواجه بعض العراقيل منها أن النظام السياسي الكوبي أكثر تماسكاً، ويقوم على مسار أيديولوجي متوارث منذ نهاية الخمسينات من القرن الماضي، ولم يحدث طول هذه العقود أي نوع من الانشقاق الكبير أو محاولة حقيقية للانقلاب على النظام الشيوعي الكوبي، كما أن الدائرة المقربة من الحكم والرئيس ميجيل دياز كانيل أكثر انسجاماً مما كان عليه الأمر لدى الرئيس مادورو، كما تعلم الكوبيون الذين كانوا يقومون بحراسة الرئيس مادورو- وقتل منهم أكثر من 35 عنصراً أثناء اعتقاله- تعلموا تكتيكات خطف الرؤساء «التي يعمل بها الجيش الأمريكي مما يصعب تكرار نفس السيناريو في كوبا، ولا يوجد في كوبا معارضة قوية كما هو الوضع في فنزويلا عندما تعاطت بإيجابية دولسي رودريجيز نائبة مادورو مع كل المطالب الأمريكية.

الثالث: التدخل المباشر

رغم استمرار الحرب مع إيران، وتنامي العداء للولايات المتحدة في الدول الكاريبية واللاتينية بعد اعتقال مادورو وإجبار بنما على الانسحاب من مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، إلا أن هناك فريق من الصقور الجمهوريين يضغط على الرئيس ترامب للقيام بعمل عسكري واستخباراتي مباشر ضد النظام الكوبي، ويؤكدون له أنه سيكون ضمن إرث ترامب التاريخي بالتخلص من نظام تحدى واشنطن 7 عقود كاملة، ويعتمدون على مجموعة من الحوافز التي تدفع بالعملية العسكرية منها أن النظام الكوبي ليس بالقوة التي كان عليها وقت عمليتي «خليج الخنازير» و«النمس»، وأن الاتحاد السوفييتي الذي كان يدعم كوبا تحلل وتفكك، وروسيا غارقة في الحرب الأوكرانية، وكل ما يقال عن تماسك النظام الكوبي سوف ينهار بمجرد بدء الضربات على الجيش الكوبي الذي يفتقر لأنظمة دفاع جوي حديثة، لكن أكثر ما يعتمد عليه أصحاب هذا السيناريو أن أكثر من 89% من الشعب الكوبي تحت خط الفقر، وأن الشعب سوف يثور على النظام الكوبي إذا رأى محاولات جادة لإسقاطه.
ترامب
ترامب
الثورة الكوبية بقيادة كاسترو 1959
الثورة الكوبية بقيادة كاسترو 1959
فيدل كاسترو
فيدل كاسترو

الرابع: سيناريو «الصفقة»

بعيداً عن السيناريوهات الثلاثة السابقة ذهب الرئيس ترامب إلى خياره المفضل وهو عقد الصفقات، ولهذا أرسل في مايو الماضي جون راتكليف مدير المخابرات المركزية الأمريكية إلى هافانا، وهناك التقى راؤول جيييرمو رودريجيز كاسترو، والذي يعرف في أمريكا اللاتينية باسم «راوليتو»، وهو المسؤول الأمني الشخصي وحفيد الرئيس السابق راؤول كاسترو، وطرح راتكليف مجموعة من الخطوات التمهيدية تهدف إلى «تغيير واسع من الداخل» بمعنى أن يقوم النظام الكوبي بتحرير الاقتصاد، وإطلاق سراح المعتقلين والسماح بإنشاء الأحزاب، وتعويض الشركات الأمريكية التي جرى تأميم أصولها في عهد فيدل كاسترو، وتسليم «كاسترو الجد» للمحاكم الأمريكية لمحاكمته على قتل مدنيين أمريكيين عندما كان راؤول كاسترو وزيراً للدفاع، ومقابل ذلك، فإن واشنطن مستعدة لتخفيف العقوبات الاقتصادية وفتح صفحة جديدة مع هافانا.
المؤكد أن كوبا تقع في صدارة الهواجس الاستراتيجية الأمريكية بعد إيران، وعندما يتم الحديث بأن «كوبا هي التالية» بعد إيران ينقسم الساسة في واشنطن إلى فريقين، الأول يطالب بتسريع الخطوات الأمريكية ضد كوبا للتعويض عن الجمود في الملف الإيراني الذي يراوح مكانه بين المفاوضات والقصف المتبادل، وفريق آخر يرى أن كل يوم تأخير من حسم الملف الإيراني يعطي مزيداً من الوقت لنظام ميجل دياز، لكن الرئيس ترامب يبدو أنه غير متعجل بشأن كوبا وينتظر حسم الملف الإيراني قبل أي خطوة جديدة في كوبا.
[email protected]
صور لاعتقال من شاركوا في عمليتي النمس وخليج الخنازير
صور لاعتقال من شاركوا في عمليتي النمس وخليج الخنازير

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة